الشيخ محمد رشيد رضا

253

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الكفر لأن من شأن المسارعة أن تكون في العظائم ، وبالأليم على شراء الكفر لأن المشترى المغبون يتأ ، وبالمهين على ازدياد الاثم بالاملاء لأن من ازدادوا اثما ما كانوا يطلبون إلا العز والكرامة ( ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) قرأ حمزة « يميز » بتشديد الياء من التمييز والباقون بتخفيفها من ماز . قال الأستاذ الامام : كان الكلام مسترسلا في بيان حال المؤمنين في واقعة أحد وما بعدها وجاء في السياق بيان حال من ظهر نفاقهم وضعفهم وبيان حال المجاهدين والشهداء ومن هم بمنزلة الشهداء ، وحال الكفار المهددين للمسلمين ، وكون الاملاء لهم واستدراجهم بطول البقاء في الدنيا ليس خيرا لهم ، وقد كانت واقعة أحد أشد واقعة أحس المسلمون عقبها بألم الغلب لأنهم لم يكونوا يتوقعونه بعد رؤية بوادر النصر في « بدر » ولأنه ظهر فيها حال المنافقين ، وتبين ضعف نفوس بعض المؤمنين الصادقين ؛ ولذلك كانت عناية اللّه تعالى ببيان فوائد المسلمين فيها عظيمة . ومنها ختمها بهذه الآية الكريمة ، المبينة لسنة من السنن التي ذكرت في سياق تلك الآيات الحكيمة ، والمعنى : ما كان من شأن اللّه تعالى ولا من سنته في عباده أن يذر المؤمنين على مثل الحال التي كان عليها المسلمون عند حدوث غزوة أحد حتى يميز الخبيث من الطيب . وكيف كانوا ؟ كانوا يصلون ويمتثلون كل ما يأمرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومنه إرسال السرايا المعتاد مثلها ولم تكن فيها مخاوف كبيرة على الاسلام وأهله ولذلك كان يختلط فيها الصادق بالمنافق بلا تميير إذ التمايز لا يكون الا بالشدائد . أما الرخاء واليسر وتكليف ما لا مشقة فيه كالصلاة والصدقة القليلة فكان يقبله المنافقون كالصادقين لما فيه من حسن الأحدوثة مع التمتع بمزايا الاسلام وفوائده ؛ وربما خدع الشيطان المؤمن الموقن بترغيبه في الزيادة من أعمال العبادات السهلة ولا سيما إذا كان داخلا في دين جديد لما في ذلك من الرياء والسمعة ، والاستواء في الظاهر مدعاة الالتباس والاشتباه الشدائد تميز بين القوى في الايمان والضعيف فيه فهي التي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويها ، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين وفي ذلك فوائد كثيرة