الشيخ محمد رشيد رضا
252
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقال ( 5 : 69 مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) - قال فيهم أيضا ( 4 : 154 فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ : قُلُوبُنا غُلْفٌ . بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) . الخامسة ) قد كان كثير من أولئك الكافرين المحاربين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه مؤمنين بالقوة والاستعداد وكان ايمانهم يظهر حينا بعد حين عندما تتم أسبابه ، كما كان كثير من المؤمنين معه في الظاهر ، كافرين في الباطن ، وكانت نواجم الكفر تبدو منهم آنا بعد آن ، كما ظهر منهم يوم أحد - وما العهد بتفسير الآيات التي نزلت فيها ببعيد - وكما ظهر يوم الأحزاب وفي غزوة تبوك التي فضحهم اللّه تعالى فيها كما سيأتي في تفسير سورة الأحزاب وسورة التوبة ان شاء اللّه تعالى - فاللّه تعالى يحكم على الشئ بحسب الواقع ونفس الامر ، ولا تنس المسألة الأولى من هذه المسائل ثم إن في الآية من مواضع العبرة أن من شأن الكافر أن يزداد كفرا بطول العمر والتمكن من العمل على شاكلته وبحسب استعداده ، ويقابله أن المؤمن كلما طال عمره كثرت حسناته ، وازدادت خيراته ، فعسى أن يتخذ هذا ميزانا من موازين الايمان ومحاسبة النفس ، فإنه مما يذهب بالغرور ، ويخرج الذي فقهه من الظلمات إلى النور ومن مباحث اللفظ أن قوله « أنما » الأولى المفتوحة الهمزة كتبت في المصاحف متصلة أن فيها بما اتباعا للمصحف الامام ويجب بحسب فن الرسم فصلها و « ما » هذه مصدرية على ما جرينا عليه في تفسير الآية . وقيل موصولة وهي مع صلتها في تأويل مصدر ، وهو لا يصح حمله على « الذين » الا بتأويل كتقدير مضاف أو حال . وذهب صاحب الكشاف إلى ترجيح البدلية وقالوا فيه ان البدل ما يستغنى به عن المبدل منه وهنا لا يصح الاستغناء . وأجاب الزمخشري بأن عدم الاستغناء متعين في المعنى لا في اللفظ . ذكر ذلك الأستاذ الامام وقال : الحق أنه يتسامح في أن المصدرية وما دخلت عليه ما لا يتسامح في المصدر نفسه ولا حاجة في الآية إلى تقدير . أقول : وفي الآيات الثلاث التفنن في وصف العذاب بين عظيم وأليم ومهين ، والأليم ذو الألم والمهين ذو الإهانة وهذه الأوصاف يتوارد بعضها على بعض كما لا يخفى وهذا لا يمنع مناسبة كل وصف لآيته ككون الجزاء بالعظيم على المسارعة في