الشيخ محمد رشيد رضا

251

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شاكلة في الانسان الا ويزيدها العمل بمقتضاها قوة ورسوخا في نفسه فهذه سنة من سننه تعالى في طباع البشر وقد يرد هنا إشكالان‌احدهما ) أن من الكافرين من يعمل الخير فإذا طال عمره ازداد منه وهذا شئ ثابت بالنظر والاختبار ونصوص القرآن التي تحكم بالضلال على الكثير أو الأكثر وإذا أطلقت الحكم أو عممته أتبعته باستثناء الأقل كما تقدم ذلك في التفسير . ثانيهما ) أن من الكفار من إذا أملى له يظهر له في أثناء عمله بكفره أنه مخطىء فيتوب ويؤمن ويعمل الأعمال الصالحة . فالقاعدة التي ذكرت في ازدياد الاعتقاد والخلق قوة ورسوخا بالعمل غير مطردة وإطلاق الآية غير ظاهر في جميع الكفار . وإننا نحل الاشكالين كليهما بالمسائل الآتية حلالا مرية فيه لمن تدبرها الأولى ) ان الكلام في الذين ثبت كفرهم في علم اللّه وأنهم لا يرجعون عنه لان تربيتهم وسيرتهم التي كانوا عليها مذ كانوا رانت على قلوبهم وأحاطت بهم خطيئاتهم الناشئة عنها حتى لم يبق للهداية طريق إلى نفوسهم‌الثانية ) أن ما ذكر من ازديادهم إثما بالاملاء لهم هو شأنهم من حيث هم كافرون فهم من هذه الحيثية لا يزدادون على تمادى الزمان إلا اثما بعداوة النبي والمؤمنين وصدهم عن سبيل اللّه ومن تاب منهم وآمن لا يصدق على الاملاء له أنه من الاملاء للذين كفرواالثالثة ) أن في كل أمة مهما كان دينها أناسا تغلب عليهم سلامة الفطرة وجب الفضيلة فهم يعملون الخير وان غلب الشر والفساد على من حولهم من قومهم وهؤلاء إذا دعوا إلى الدين الحق دعوة صحيحة لا يسارعون في مجاحدته ومعاداة الداعي وايذائه بل هم الذين يسارعون إلى الايمان به عندما يظهر لهم صدق دعوته وقد يتثبتون قبل ذلك وانما الكفر الحقيقي هو جحود الحق بعد ظهور حجته كما قال تعالى ( 4 : 114 وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ) 47 : 32 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ) فهؤلاء هم المراد بالذين كفروا في الآية . الرابعة ) ان من يستتثنيهم القرآن من الحكم على الأمم التي يصفها بالكفر لا يستثنيهم من عمل السوء والشر فقط بل يستثنيهم من الكفر نفسه أيضا فكما قال في أهل الكتاب ( 7 : 158 وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) وقال ( 3 : 75 وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ )