الشيخ محمد رشيد رضا

244

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما هو أعظم وأكرم في العقبى . ومن مباحث البلاغة في الآية الايجاز في قوله « فانقلبوا » فإنه يدل على أنهم خرجوا للقاء العدو وانهم لم يلقوا كيدا فلم يلبثوا أن انقلبوا إلى أهليهم ، ومثل هذا الحذف الذي يدل عليه المذكور بمجرد ذكره كثير في القرآن ، كقوله تعالى ( 26 : 63 فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ) أي فضربه فانفلق . وقوله تعالى بعد ذكر مناجاة موسى عليه السّلام له في أرض مدين وارساله تعالى إياه إلى فرعون وجعل أخيه وزيرا له وأمرهما بأن يبلغا فرعون رسالته ( 20 : 50 قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ؟ ) أي قال فرعون لما بلغاه الرسالة : إذا كان الأمر كما تقولان فمن ربكما يا موسى . فقد فهم من هذا الجواب أن موسى وهارون عليهما السّلام صدعا بأمر ربهما وذهبا إلى فرعون فبلغاه ما أمرهما اللّه تعالى بتبليغه إياه ( إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ) قيل إن المراد بالشيطان هنا شيطان الانس الذي غش المسلمين وخوفهم ليخذلهم ، واختلف في تعيينه فقيل هو أبو سفيان فإنه أراد بعد أحد أن يكر ليستأصل المسلمين وأرسل إليهم يخوفهم في بدر الثانية أو الصغرى . وقيل هو نعيم بن مسعود الذي أرسله أبو سفيان ليثبط المسلمين عن الخروج إلى بدر الموعدو قد أسلم نعيم يوم الأحزاب ) وقيل هو وفد عبد القيس على الخلاف الذي تقدم ذكره في سبب النزول . وقيل بل المراد به شيطان الجن الذي يوسوس في صدور الناس على حد ( 2 : 268 الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) والمعنى على الأول : ليس ذلك الذي قال لكم ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم أو من أوعز اليه بأن يقول ذلك أو من وسوس به الا الشيطان يخوفكم أولياءه وهم مشركو مكة ويوهمكم أنهم جمع كثير أولو بأس شديد وان من مصلحتكم أن تقعدوا عن لقائهم وتجبنوا عن مدافعتهم . والمعنى على الثاني : ان الشيطان يخوف أولياءه ولا سلطان له على أولياء اللّه المؤمنين فهو عاجز عن تخويفهم . وفي التفسير الكبير للرازي انه يخوف أولياءه المنافقين فيسول لهم القعود عن قتال المشركين ويزين لهم خذلان المسلمين . وإذا صح هذا من جهة المعنى فان الإشارة فيه ليست جلية كجلائها في الوجه الأول ولا الثاني أيضا ولا يظهر عليه قوله