الشيخ محمد رشيد رضا

245

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لأن المنافقين لم يكونوا بحيث يخاف المؤمنون منهم فينهون عن ذلك . أي لا تحفلوا بقوله « فاخشوهم » فتخافوهم بل خافونى أنا لأنكم أوليائي وأنا وليكم وناصركم إن كنتم راسخين في الايمان قائمين بحقوقه قال الأستاذ الامام : في الآية التنبيه إلى الموازنة بين أولياء الشيطان من مشركي مكة وغيرهم وبين ولى المؤمنين القادر على كل شئ كأنه يقول : عليكم أن توازنوا بين قوتى وقوتهم ونصرتي ونصرتهم ، فأنا الذي وعدتكم النصر وأنا وليكم ونصيركم ما أطعتمونى وأطعتم رسولي . وفي هذا المقام شبهة تعرض لبعضهم : يقولون إن تكليف عدم الخوف من تكليف ما لا يستطاع ولا يدخل في الوسع فان الانسان إذا علم أن العدد الكثير ذا العدد العظيمة يريد أن يواثبه وينزل به العذاب بأن رآه أو سمع باستعداده من الثقات فإنه لا يستطيع أن لا يخافه ، فكان الظاهر أن يؤمروا باكراه النفس على المقاومة والمدافعة مع الخوف لا ان ينهوا عن الخوف . والجواب : أن هذه الشبهة حجة الجبناء فهي لا تطوف إلا في خيال الجبان ، فان أعمال النفس من الخوف والحزن والفرح يتراءى للانسان أنها اضطرارية وأن آثارها كائنة لا محالة مهما حدث سببها والحقيقة أن ذلك اختياري من وجهين‌أحدهما ) أن هذه الأمور تأتى بالعادة والمزاولة ولذلك تختلف باختلاف الشعوب والأجيال فمن اعتاد الاحجام عند الحاجة إلى الدفاع يصير جبانا والعادات خاضعة للاختيار بالتربية والتمرين ففي استطاعة الانسان أن يقاوم أسباب الخوف ويعود نفسه الاستهانة بهاو ثانيهما ) ان هذه الأمور إذا حدثت بأسبابها . فالانسان مختار في الاسلاس لها والاسترسال معها حتى يتمكن أثرها في النفس وتتجسم صورتها في الخيال ومختار في ضد ذلك وهو مغالبتها والتعمل في صرفها وشغل النفس بما يضادها ويذهب بأثرها أو يتبدل به أثر آخر مناقضا له . فهذا الأمر الاختياري هو مناط التكليف ، كأنه يقول إذا عرضت لكم أسباب الخوف فاستحضروا في نفوسكم قدرة اللّه على كل شئ وكونه بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه وتذكروا وعده بنصركم وإظهار دينكم على الدين كله وأن الحق يدمغ الباطل فإذا هو زاهق وتذكروا قوله ( 2 : 249 كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ثم خذوا أهبتكم وتوكلوا على ربكم فإنه لا يدع لخوف غيره