الشيخ محمد رشيد رضا

242

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كان اذعان جميع المؤمنين في درجة واحدة لتساووا في الأعمال ولكنهم متفاوتون فيها تفاوتا عظيما كما هو ثابت بالمشاهدة فثبت أنهم متفاوتون في منشاها من النفس وهو الاذعان ، الذي يقوى ويضعف بالتبع للايمان ، وهذا عين قبول الزيادة والنقصان . ومن هنا تفهم معنى ادخال السلف الصالح الاعمال في مفهوم الايمان فان كل اعتقاد له أثر في النفس يتبعه عمل من الاعمال ، فهي سلسلة مؤلفة من ثلاث حلقات يحرك بعضها بعضا ، والامام الغزالي يعبر عنها بالعلم والحال والعمل ، فيقول : ان العلم بأن كذا يرضى اللّه تعالى أو كذا يسخطه مثلا يحدث في النفس حالا يترتب عليها فعل ما يرضيه ويقتضى مثوبته ؛ وترك ما يسخطه ويقتضى عقوبته ؛ ويقول إن ترتب بعضها على بعض واجب . وعبارته : ان العلم يوجب الحال والحال يوجب العمل . فارجع اليه في كتاب التوبة وغيره من كتب المجلد الرابع من الاحياء وأما زيادة الايمان بزيادة متعلقاته وهي المسائل التي يؤمن بها المؤمن التي يعبر عنها بشعب الايمان فهي ظاهرة لا تحتاج في بيانها إلى شرح طويل فان هذه المسائل لا يمكن أن تتلقى إلا بالتدريج فكلما تلقى المؤمن مسألة منها ازداد إيمانا . وليس هذا خاصا بالكافر الذي يدخل في الاسلام فان الناشئ بين المؤمنين مثله في ذلك . وليست المسائل التي تزيد الانسان معرفتها ايمانا محصورة في النصوص التي جاء بها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فان القرآن هدانا إلى التفكر والنظر في ملكوت السماوات والأرض لنزداد ايمانا ونعتبر ونستفيد ، وذلك يفتح لنا أبوابا من العلم باللّه وسننه لا نهاية لها . فكل ما نهتدى اليه في بحثنا ونظرنا من أسرار الكائنات ، وسنن اللّه تعالى في المخلوقات . فانا نزداد به علما باللّه وإيمانا بقدرته وحكمته البالغة ، وقد قال سبحانه لأقوى الناس إيمانا وأوسعهم علما به وبسننه ( 20 : 114 وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) وكذلك آيات القرآن تزيد من يتلقاها إيمانا كلما تلقى شيئا منها وقد يتدبرها المؤمن بعد العلم بها بأيام أو سنين ، فيفهم منها ما لم يكن يفهم فيزداد إيمانا . قال تعالى ( 9 : 124 وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ 125 وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ) وقال علىرض ) حين سئل