الشيخ محمد رشيد رضا

241

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الذهن بأنه ثابت فلم يتصور الطرف المخالف ، وهو عدم الثبوت كان جزمه هذا ايمانا وإن لم يكن ناشئا عن برهان مؤلف من المقدمات اليقينية في عرف علماء المنطق على طريقتهم أو غير طريقتهم ، ولا ملاحظا فيه استحالة الطرف المخالف . وأكثر المؤمنين باللّه ورسله والمؤمنين بالجبت والطاغوت في هذه المرتبة من الايمان ، ويصح ان يطلق على أهلها لفظ « الموقنين » ولو كان الايمان لا يصح إلا ببرهان منطقي على اثبات قضاياه واستحالة ضدها لما تصور أن يرتد أحد عن الاسلام بعد دخوله فيه لان اليقين بهذا المعنى لا يمكن الرجوع عنه وإن أمكن مكابرته ومجاحدته باللسان ، ولذلك قال الأستاذ الامام « الرجوع عن الحق بعد اليقين فيه كاليقين في العلم كلاهما قليل في الناس » يعنى بذلك اليقين المنطقي الذي تنتهى مقدماته إلى البديهيات . ولكن الردة ثابتة نقلا ووقوعا . قال تعالى ( 16 : 106 مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ) وقال تعالى ( 4 : 138 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) هذا وإن لليقين مراتب ودرجات يعلو بعضها بعضا وحصرها بعضهم في ثلاث : علم القين وحق اليقين وعين اليقين . فالارتقاء من درجة إلى أخرى زيادة في نفس اليقين . ويروى عن أمير المؤمنين على رضى اللّه عنه أنه قال « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » وهذا القول مبنى على أن اليقين يقبل الزيادة في نفسه ومن أيقن بأن فلانا طبيب ماهر لأنه رآه نجح في معالجة بعض المرضى يضعف يقينه إذا رآه خاب في معالجة آخرين ويزداد إذا رآه ينجح آونة بعد أخرى ولا سيما في معالجة الأمراض الباطنية التي يعسر تشخيصها ثم إن فائدة الايمان إنما تكون باذعان النفس الذي يحرك فيها الخوف والرجاء وغيرهما من وجدانات الدين التي يترتب عليها ترك المنكر المنهى عنه وفعل المعروف المأمور به ، ولولا ذلك لم يكن للدين فائدة في إصلاح حال البشر . وهل يقول عاقل ان الاذعان والخوف والرجاء من الأمور التي لا تقبل الزيادة والنقصان ؟ أما أنه لو « تفسير آل عمران » « 16 رابع » « س 3 ج 4 »