الشيخ محمد رشيد رضا
235
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) أي مسرورين بما أعطاهم اللّه من فضله أي زيادة على ذلك الرزق الذي استحقوه بعملهم فالفضل ما كان في غير مقابلة عمل كما قال ( 35 : 30 لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ) الاستبشار السرور الحاصل بالبشارة وأصل الاستفعال طلب الفعل فالمستبشرون بمنزلة من طلب السرور فوجده بالبشارة كذا قالوا والعبارة للرازي . ويصح أن يكون معنى الطلب فيه على حاله ، والذين لم يلحقوا بهم هم الذين بقوا في الدنيا . قال الأستاذ الامام : إنما قال « مِنْ خَلْفِهِمْ » للدلالة على أنهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قدما بقدم ، فهو قيد فيه الخبر والحث والترغيب والمدح والبشارة وهو من البلاغة بالمكان الذي لا يطاول . والمعنى على الأول ويطلبون البشرى بالذين لم يلحقوا بهم من اخوانهم أي يتوقعون أن يبشروا في وقت قريب بقدومهم عليهم مقتولين في سبيل اللّه كما قتلوا ، مستحقين من الرزق والفضل الإلهي مثل ما أوتوا ، والمعنى على الثاني أنهم يسرون بذلك عند حصوله . هذا ما روى في وجه الاستبشار عن ابن جريج وقتادة وروى عن السدى أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه يبشر بذلك فيسر ويستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه عليهم في الدنيا . واختار أبو مسلم والزجاج أن الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم هم اخوانهم الذين لا يحصلون فضيلة الشهادة فلا ينالون مثل درجتهم وأن استبشارهم بهم يكون عند دخولهم الجنة بعد القيامة قبلهم فيرون منازلهم فيها ويعلمون أنهم من أهلها وان فاتتهم درجة الشهادة لا سيما إذا كان المراد بالذين من خلفهم من جاهد مثلهم ولم يقتل ( 4 : 95 فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً 96 دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) والآية الآتية تؤيد كون المراد بمن خلفهم بقية المجاهدين الذين لم يقتلوا وقوله ( أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) بدل اشتمال من الذين لم يلحقوا بهم أي يستبشرون بهم من حيث إنه لا خوف عليهم فالخوف والحزن على هذا منفيان