الشيخ محمد رشيد رضا
227
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رضى اللّه عنهما من تفسير الاذن هنا بقضاء اللّه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين كما قيل وعبرة وعلم عال يجلى لهم قوله السابق في هذا السياق « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » وذهب بعض المفسرين إلى أن الاذن هنا عبارة عن التخلية وعدم المعارضة والمنع على سبيل المجاز أي إنه تعالى لم يمنع المشركين من الايقاع بالمؤمنين بعناية خاصة منه لأنهم لم يستحقوا تلك العناية منه سبحانه وقد فشلوا في الامر وعصوا الرسول فقد وقع ذلك لأنه تعالى اذن به وأراده ( وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي حالهم من قوة الايمان وضعفه والاستفادة من المصائب حتى لا يعودوا إلى أسبابها والعلم بسنن اللّه عندما يظهر فيهم حكمها في الشدة والبأس أي ليظهر علمه بذلك ويترتب عليه مقتضاه . وقد تقدم الكلام على التعليل بالعلم فارجع إلى تفسير قوله تعالى « وليعلم الذين آمنوا » من هذا السياق فما هو ببعيد فالتعليل الأول المأخوذ من قوله « فَبِإِذْنِ اللَّهِ » لبيان السبب والتعليل الثاني لبيان الحكمة والفائدة في ذلك وعطف عليه قوله عز وجل ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ) ليبين في هذه الآية وما بعدها حال المنافقين مع المؤمنين كما بين من قبل حال الكافرين معهم ، والذين نافقوا هم الذين أظهروا الايمان وتبطنوا الكفر ، قال ابن الأنباري : إنه مأخوذ من النفق وهو السرب فهم يتسترون بالاسلام كما يتستر الرجل في السرب ، وقال غيره انه مشتق من النافقاء وهو جحر اليربوع أو أحد بابيه ، قال أبو عبيدة انه يجعل لجحره بابين أحدهما القاصعاء والآخر النافقاء فإذا طلب من أحدهما خرج من الآخر ، وهكذا شأن المنافق يظهر للمؤمنين من باب الايمان وللكافرين من باب الكفر فإذا أصابته مشقة من أحدهما لجأ إلى الآخر وقال غيره : إن النافقاء جحر اليربوع يحفره في الأرض ويرققه من أعلاه فإذا رابه شئ فخاف على نفسه دفع التراب برأسه وخرج ، فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه فإذا فتشه رمى عنه ذلك الكفر وتمسك بالاسلام . كذا وجهه الرازي ولك أن تقول لأنه يلجأ للاسلام ويحتمى به فإذا رابه منه شئ خرج منه إلى الكفر . وقول أبى عبيدة أظهر هذه الأقوال . وسيأتي من أوصافهم ما يظهر به وجه التسمية كقوله تعالى ( 4 : 141 الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ؟