الشيخ محمد رشيد رضا

228

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ! ! ) . والمعنى وليعلم حال الذين نافقوا أي وقع منهم النفاق في هذه الواقعة ولم يقل المنافقين كما قال المؤمنين لان النفاق لم يكن صفة ثابتة لهم كثبوت إيمان المؤمنين فان منهم من تاب بعد ذلك وصدق في ايمانه . أي ليظهر علمه بذلك فيترتب عليه مقتضاه ممن العبرة بسوء عاقبة المنافقين حتى فيما ظنوه حزما وتوقيا للمكروه واحتياطا في الامر كالعبرة بحسن عاقبة الصادقين حتى فيما ظنوه شرا وسوءا وكرهوا حصوله . أما قوله تعالى ( وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ) فمعناه أن هؤلاء الذين نافقوا قد دعوا إلى القتال على أنه في سبيل اللّه أي دفاع عن الحق والدين وأهله ابتغاء مرضاة أللّه وإقامة دينه لا للحمية والهوى ولا ابتغاء الكسب والغنيمة أو على أنه دفاع عن أنفسهم وأهلهم ووطنهم فراوغوا وحاولوا ، وقعدوا وتكاسلوا ( قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ ) أي لو نعلم أنكم تلقون قتالا في خروجكم لاتبعناكم ولكننا نرى أن الأمر ينتهى بغير قتال ، نزل ذلك في عبد اللّه بن أبي بن سلول وأصحابه الذين خرجوا من المدينة في جملة الألف الذين خرج بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم رجعوا من الطريق وهم ثلاث مئة ليخذلوا المسلمين ويوقعوا فيهم الفشل وقد تقدم ذكر ذلك في مجمل القصة عند الشروع في تفسير الآيات الواردة فيهاراجع ص 97 من هذا الجزء ) قال تعالى ( هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ ) أي أقرب إلى الكفر منهم إلى الايمان يوم قالوا ذلك القول لظهور صفته فيهم وانطباق آيته عليهم . فان القعود عن الجهاد في سبيل اللّه والدفاع عن الوطن والأمة عند هجوم الأعداء من الفرائض التي لا يتعمد المؤمن تركها كما يعلم من الآيات الكثيرة في هذا السياق وغيره ومنها ما هو صريح في جعله من الصفات التي حصر الايمان في المتصفين بها كقوله عز وجل ( 49 : 15 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) قال الأستاذ الامام : ليس قوله « يومئذ » للاحتراس بل لرفع شأن هذا اليوم الذي حصل فيه التمييز بين الفريقين وقال إنهم أقرب إلى الكفر ولم يقل إنهم كفار مع علمه بحالهم تأديبا لهم ومنعا للتهجم على التكفير بالعلامات والقرائن . أقول يعنى