الشيخ محمد رشيد رضا

220

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هبوط الدركات ، ( 91 : 9 قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 10 وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) فتحصيل الدرجات إنما يكون في هذه الدار ، والتمتع بها يكون في دار القرار ، أما الدرجات في الدنيا فقد ورد فيها قوله تعالى ( 43 : 32 أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) وقوله تعالى ( 6 : 165 وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ) وليست هذه الدرجات بوسيلة ولا مقصد مما نحن فيه وإنما هي درجات ابتلاء وامتحان يظهر بها التفاوت بين أفراد الانسان وأما درجات الآخرة فهي المرادة بقوله تعالى بعد ذكر توسيع الرزق على بعض الناس وتضييقه على بعض ( 17 : 21 انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) وأما وسائلها التي قلنا إن هذه آثارها وهي المعارف والاعمال ، فمنها قوله عز وجل ( 58 : 11 يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) وقوله ( 12 : 76 نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) وقوله سبحانه ( 6 : 83 وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ) فهذه كلها درجات العلم والحجة ، ومنها قوله في ربط درجات العمل بدرجات الجزاء ( 4 : 95 وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً 96 دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ) ومنها بعد ذكر الجزاء ( 6 : 142 وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) وقوله ( 20 : 75 وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ) فحسبنا هذه الآيات مبينة لما قلناه من كون درجات الجزاء في الآخرة على حسب درجات الارتقاء بالعلم والعمل في الدنيا . وأن هذه الدرجات لا يمكن أن يعلمها إلا من أحاط بكل شئ علما ، فلا يخفى عليه أثر ما من آثار الأعمال في النفس ولا عاطفة من عواطف الايمان في القلب ولا حقيقة من حقائق العلم في العقل ، ولا يعزب عنه شئ من تفاوت الناس في ذلك ؛ فدرجات ارتقاء الأرواح لها في علمه تعالى نظام دقيق أدق من نظام ميزان الحرارة والبرودة ومن ميزان الرطوبة ومن ميزان ثقل السائلات في درجاتها العليا والسفلى وما أشبه هذه الموازين بالموازين الطبيعية التي تعرف بها سنن اللّه تعالى في الكون وإن سننه تعالى في نفوس الناس لا تقل عن سننه في غيرها نظاما