الشيخ محمد رشيد رضا
208
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) فأمرهم بالحذر مع التنبيه على أنه متوكل على اللّه والتذكير بوجوب التوكل عليه ، فجمع بين الواجبين ، وبين أنه لا تنافى بينهما ، ولا غناء للمؤمن عنهما ذلك بأن الانسان إذا توكل ولم يستعد للامر ويأخذ له أهبته بحسب سنة اللّه في الأسباب والمسببات يقع في الحسرة والندم عندما يخيب ويفوته غرضه فيكون ملوما شرعا وعقلا ، كما قال تعالى في مسألة الاسراف في المال ( 17 : 29 وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) وإذا هو استعد وأخذ بالأسباب واعتمد عليها غافلا قلبه عن اللّه تعالى فإنه يكون عرضة للجزع والهلع إذا خاب سعيه ولم ينل مراده فيفوته الصبر والثبات اللذان يهونان عليه الأمر ، حتى لا يدرى كيف يستفيد من الخيبة وبتدارك أمره فيها ، وربما وقع في اليأس الذي لا مطمع معه في فلاح ولا نجاح ، ولذلك قرن اللّه الصبر بالتوكل في عدة آيات من كتابه - قال تعالى حكاية عن الرسل عليهم السّلام في محاجة أقوامهم ( 14 : 12 وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) وذكروا أن اللّه هداهم سبله وهي سننه في الأسباب وأنهم موطنون أنفسهم على الصبر لأنهم متوكلون عليه تعالى . ووصف الذين هاجروا من بعد ما ظلموا بقوله ( 16 : 42 الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وقال ( 29 : 58 نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ 59 الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) فوصفهم بالعمل وأسند إليهم الصبر والتوكل وقال لخاتم أنبيائه ورسله ( 73 : 9 فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا 10 وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) كما قال له ( 33 : 48 وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ) فههنا قرن أمره بالتوكل بنهيه عن العمل بقول من لا يوثق بقوله لأنه يغش ولا ينصح كما أنه قرنه بالامر بالمشاورة في الآية السابقة من الآيات التي نحن بصدد تفسيرها أعنى قوله « وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ » وكل ذلك من اتخاذ الأسباب سلبا وإيجابا . وجاء ذكر التوكل في مقام ذكر الحرمان من الرزق أو من سعته ، كما جاء في مقام الصبر على إيذاء المعتدين كقوله تعالى ( 65 : 3 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ