الشيخ محمد رشيد رضا
209
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) وقوله في مقام وجوب نبذ الاغترار بسعة الرزق خشية الغفلة عن الآخرة ( 42 : 31 فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وحسبنا هذه الآيات في هداية القرآن وتحقيقه في مقام الجمع بين الأسباب والتوكل وأما الأحاديث الشريفة فأصح ما ورد في التوكل منها حديث الذين يدخلون لجنة بغير حساب ، وقد رواه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث ابن عباس مرفوعا وقد روى بعدة ألفاظ منها « يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون » رواه الشيخان معا عن عمران بن حصين ، والبخاري عن ابن عباس ، ومسلم عن أبي هريرة والطبراني عن خباب ، وكذا الدارقطني في الافراد وزاد بعد قوله : « ولا يتطيرون » : « ولا يعتافون » ذكره في كنز العمال . وأنت ترى أنه قرن التوكل بترك الاعمال الوهمية دون غيرها فهو لم ينف من الاعمال الا الاستشفاء بالرقية ، وهي ليست من الأسباب الحقيقية للشفاء وإنما يطلبها طلابها عند الجهل بالأسباب والعجز عنها على أنها من المؤثرات الغيبية وإنما المطلوب شرعا وطبعا ونقلا وعقلا أن يطلب الشئ من سببه الحقيقي الذي يستوى فيه كل من تعاطاه - والا التطير وهو التيمن والتشاؤم بحركات الطير ، ونحوه الاعتياف وهو التفاؤل والتشاؤم بالألفاظ كقول الشاعر : ألا قد هاجنى فازددت وجدا * بكاء حمامتين تجاوبان تجاوبتا بلحن أعجمي * على غصنين من غرب وبان إلى أن قال : فكان البان أن بانت سليمى * وفي الغرب اغتراب غير دان والطيرة والعيافة من سنة الجاهلية التي نسختها السنة النبوية ، لأنها من مفسدات الفطرة البشرية ، وكذلك الرقية كانت معروفة في الجاهلية : فكان أناس معروفون يرقون اللديغ - والا الكي بالنار وهو مما كانوا يتداوون به في الجاهلية وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « تفسير آل عمران » « 14 رابع » « س 3 ج 4 »