الشيخ محمد رشيد رضا

19

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حتى زعموا أن الثانية نسخت الأولى ، ورووا ذلك عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا . فقد أخرج ابن جرير وغيره عنه : أن معنى اتقوا اللّه حق تقاته « أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر » . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : إنها لما نزلت اشتد على القوم العمل فقاموا [ في صلاة الليل ] حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم . فأنزل اللّه تخفيفا عليهم ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فنسخت الآية الأولى . كذا في روح المعاني . وروى ابن جرير النسخ عن قتادة والربيع بن أنس والسدى وابن زيد . وروى عدم نسخها عن ابن عباس وطاوس وأن ابن عباس فسرها بأن يجاهدوا في اللّه حق جهاده ، ولا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، ويقوموا للّه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم . أي فهي بمعني الآيات التي تقرر هذه الأمور الثلاثة ؛ وهي مما لم يقل أحد بنسخها . أقول : وإذا كانت الرواية بالنسخ ضعيفة بحسب الصناعة ، فهي في اعتقادي موضوعة ممن لم يفهم الآية . ولو كان معناها ما رووا عن ابن مسعود رضى اللّه عنه لكانت من تكليف ما لا يطاق وهو ممنوع . وبه أخذ الأستاذ الامام في منع النسخ أما قوله تعالى ( وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) فمعناه على المختار عند الأستاذ الامام : استمروا على الاسلام ؛ وحافظوا على أعماله حتى الموت . فالمراد بالاسلام على هذا هو الدين : إيمانه وعمله . ووجه الاختيار أنه جاء في مقابلة قوله ( يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ) وبعد الأمر بالتقوى حق التقوى . وقيل إن المراد به الاخلاص ، وقيل : الايمان دون العمل لأنه هو الذي يستمر إلى الموت . أقول : وهذا النهى مبنى على قاعدة : أن المرء يموت غالبا على ما عاش عليه فإذا عاش على اليقين والتقوى حق التقوى والاحتراس مما ينافي الاسلام مات على ذلك بفضل اللّه الذي كانت تلك القاعدة من سننه في خلقه . ثم بين لنا عز وجل ما به يتحقق ذلك الأمر والنهى ، فقال ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) حبل اللّه : هو القرآن ، كما ورد في الحديث الصحيح عن