الشيخ محمد رشيد رضا
207
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ) الكلام استئناف مسوق لبيان وجه وجوب التوكل على اللّه تعالى بعد المشاورة والعزيمة المبنية على أخذ الأهبة والاستعداد بما يستطاع من حول وقوة ، أي ان ينصركم اللّه بالعمل بسننه وما يكون لكم من القوة والثبات بالاتكال على توفيقه ومعونته ؛ فلا غالب لكم من الناس الذين نصبهم حرمانهم من التوكل عليه تعالى غرضا للقنوط واليأس ، ( وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ) بما كسبت أيديكم من الفشل ، وعصيان القائد فيما حتمه من عمل ، كما جرى لكم في أحد ، أو بالاعجاب بالكثرة ، والاعتماد على الاستعداد والقوة ، وهو مخل بالتوكل كما جرى يوم حنين ، ( فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ) أي من بعد خذلانه أي لا أحد يملك لكم حينئذ نصرا ، ولا أن يدفع عنكم ضرا ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ولا يتوكلوا على غيره ، لأن النصر بيده . وهو الموفق لأسبابه وأهبه . وقد بينا أكثر من مرة أسباب النصر الحسية والمعنويةراجع لفظ « نصر » في فهارس الأجزاء السابقة ) قد علم مما تقدم أن التوكل إنما يكون مع الاخذ بالأسباب وأن ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل . فالتوكل محله القلب . والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح . والانسان مسوق اليه بمقتضى فطرة اللّه التي فطر الناس عليها « لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ » ومأمور به في الشرع قال تعالى ( 67 : 15 ) فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) وقال ( 4 : 71 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ) وقال ( 8 : 60 وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) وقال ( 2 : 197 وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ) - راجع تفسيرها - وقال لنبيه لوط عليه السّلام ( 11 : 81 فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) وقال لنبيه موسى عليه السّلام ( 44 : 23 فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا ) وقال في الحكاية عن نبيه يعقوب لنبيه يوسف عليهما السّلام ( 12 : 5 يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ) وقال حكاية عنه أيضا ( 12 : 67 يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ . إِنِ