الشيخ محمد رشيد رضا

206

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الآية صريحة في وجوب إمضاء العزيمة المستكملة لشروطها - وأهمها في الأمور العامة حربية كانت أو سياسية أو إدارية المشاورة - وذلك أن نقض العزيمة ضعف في النفس وزلزال في الاخلاق لا يوثق بمن اعتاده في قول ولا عمل . فإذا كان ناقض العزيمة رئيس حكومة أو قائد جيش كان ظهور نقض العزيمة منه ناقضا للثقة بحكومته وبجيشه ؛ ولا سيما إذا كان بعد الشروع في العمل ولذلك لم يصغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قول الذين أشاروا عليه بالخروج إلى أحد حين أرادوا الرجوع عن رأيهم خشية أن يكونوا قد استكرهوه على الخروج وكان قد لبس لأمته وخرج وذلك شروع في العمل بعد أن أخذت الشورى حقها كما تقدم تفصيله . فعلمهم بذلك أن لكل عمل وقتا وأن وقت المشاورة متى انتهى جاء دور العمل ، وأن الرئيس إذا شرع في العمل تنفيذا للشورى لا يجوز أن ينقض عزيمته ويبطل عمله وإن كان يرى أن أهل الشورى أخطأوا الرأي - كما كان يرى صلّى اللّه عليه وسلّم في مسألة الخروج إلى أحد كما تقدم - ويمكن إرجاع ذلك إلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين ، وأي ضرر أشد من فسخ العزيمة وما فيه من الضعف والفشل وإبطال الثقة ؟ وإننا نرى أهل السياسة والحرب يجرون على هذه القاعدة في هذا العصر . ومن الوقائع التي توجب العبرة في ذلك ان الأستاذ الامام لما كان في لندرة عاصمة انكلترا سنة 1301 ذاكر وزراء الانكليز في أمور مصر والسودان التماس خدمته لبلاده وقد سأله يومئذ رئيس الوزراء أو غيره منهم‌الشك منى ) عن رأيه في حملة هكس باشا التي أرسلوها لمحاربة مهدى السودان الذي ظهر في ذلك الوقت فبين له بعد مراجعه طويلة أن هذه الحملة لا تنجح بل يقضى عليها السودانيون . ثم عاد الأستاذ من أوروبا إلى بيروت وبعد عودته جاءت الاخبار بقتل هكس باشا وتنكيل السودانيين بحملته فبعث الأستاذ الامام برسالة برقية إلى الوزير الانكليزى يذكره فيها برأيه وكيف صدق . فجاءه الجواب في ذلك اليوم من الوزير ومعناه قد علمنا أن ما قلته لنا معقول وجيه ولكن السياسة متى قررت شيئا وشرعت فيه وجب إمضاوه وامتنع نقضه والرجوع عنه وإن كان خطأ .