الشيخ محمد رشيد رضا

205

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بأن الأمر شورى فيجعل ذلك أمرا ثابتا مقررا ، ويأمر نبيه المعصوم من اتباع الهوى في سياسته وحكمه بأن يستشير حتى بعد أن كان ما كان من خطأ من غلب رأيهم في الشورى يوم أحد ، ثم يترك المسلمون الشورى لا يطالبون بها وهم المخاطبون في القرآن بالأمور العامة كما تقدم بيانه مرارا كثيرة ؟ هذا وقد بلغ ملوكهم من الظلم والاستبداد مبلغا صاروا فيه عارا على الاسلام بل على البشر كلهم ، إلا من يتبرأ منهم ، ويبذل جهده في راحة العالم من شرهم ، وسنعود إلى موضوع الحكومة الاسلامية عند الكلام على أولي الأمر في سورة النساء إن شاء اللّه تعالى . قال تعالى بعد أمر نبيه بالمشاورة فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فإذا عزمت بعد المشاورة في الأمر على إمضاء ما ترجحه الشورى وأعددت له عدته فتوكل على اللّه في إمضائه وكن واثقا بمعونته وتأييده لك فيه ولا تتكل على حولك وقوتك بل اعلم أن وراء ما أتيته وما أوتيته قوة أعلى وأكمل ، يجب أن تكون بها الثقة وعليها المعول وإليها اللجأ إذا تقطعت الأسباب وأغلقت الأبواب ، قال الأستاذ الامام ما معناه : إن العزم على الفعل وإن كان يكون بعد الفكر وإحكام الرأي والمشاورة وأخذ الأهبة فذلك كله لا يكفى للنجاح إلا بمعونة اللّه وتوفيقه لأن الموانع الخارجية له والعوائق دونه لا يحيط بها إلا اللّه تعالى فلا بد للمؤمن من الاتكال عليه والاعتماد على حوله وقوته إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ على حوله وفوته ، مع العمل في الأسباب بسنته ، أقول : ومن أحبه اللّه عصمه من الغرور باستعداده ، والركون إلى عدته وعتاده ، والبطر الذي يصرفه عن النظر فيما يعرض له بعد ذلك حتى لا يقدره قدره ، ولا يحكم فيه أمره ، فبدلا من أن يكون نظره في الأمور بعين العجب والغرور ، واستماعه لأبنائها بأذن الغفلة والازدراء ، ومباشرته لها بيد التهاون ، يلقى السمع وهو شهيد ، وينظر بين العبرة فبصره حينئذ حديد ، ويبطش بيد الحزم فبطشه قوى شديد ؛ ذلك بأنه يسمع ويبصر ويعمل للحق لا للباطل الذي يزينه الهوى ويدلى به الغرور ؛ فيكون مصداقا للحديث القدسي « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها » .