الشيخ محمد رشيد رضا
204
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أنهم العلماء ومن الناس من يعبر بكلمة الفقهاء ومن المعلوم أنه لم يكن مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمراء حاكمون ولا صنف يسمى الفقهاء واتما المراد بأولى الأمر - الذين ترد إليهم مسائل الأمن والخوف وما في معناها من الأمور العامة - أهل الرأي والمكانة في الأمة وهم العلماء بمصالحها وطرق حفظها والمقبولة آراؤهم عند عامتها - فما فعله أبو بكر وعمر رضى اللّه عنهما هو منتهى ما يمكن أن يعمل في إقامة الشورى بحسب حال الأمة واستعدادها في زمنهما . ثم إن المسلمين بادروا بعد قتل عثمان إلى مبايعة على من غير اهتمام بالتشاور لأن الكفاءة التي يرونها فيه لم تكن تقبل شركة تدعو إلى اجالة الرأي . فمبايعة الخلفاء الراشدين كانت من الأمة برضاها وكانوا يستشيرون أهل العلم والرأي في كل شئ إلا أن بنى أمية قد أحاطوا بعثمان وغلبوا الأمة على رأيها عنده ، فكان من عاقبة ذلك ما كان من الفتن حتى استقر الامر فيهم بقوة العصبية والدهاء ، لا باستشارة الدهماء ، فهم الذين هدموا قاعدة الحكم بالشورى في الاسلام بدلا من اقامتها ، ووضع القوانين التي تحفظها ، وتجعل استفادة الأمة منها تابعة لتقدم العلوم والمعارف وأعمال العمران فيها ، ولولا هذا لكان ذلك الملك الذي وسعوا دائرته بالفتوحات أثبت في نفسه ولهم ، ولكان شأن الاسلام أعظم ، وانتشاره أكثر وأعم ، على أن هذا الاستبداد منهم قد كان معظمه مصروفا إلى المحافظة على سلطتهم ، وبقاء الملك في أسرتهم ، قلما يتسرب منه شئ إلى الإدارة والقضاء . وكانت حرية انتقاد الحكام والانكار عليهم على كمالها حتى تبرم منها عبد الملك بن مروان فقال على المنبر : من قال لي اتق اللّه ضربت عنقه ! ! كما روى عن بعض المؤرخين . ولكنهم كانوا يتصرفون في بيت المال بأهوائهم في الغالب . ولما أفضى الامر إلى وارث الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى أراد أن يخرجه من قومه فلم يتيسر له ذلك ثم رسخت السلطه الشخصية في زمن العباسيين لما كان للأعاجم من السلطان في ملكهم وجرى سائر ملوك المسلمين على ذلك وجاراهم عليه علماء الدين بعد ما كان لعلماء السلف الصالح من الانكار الشديد على الملوك والامراء في زمن بنى أمية وأوائل زمن العباسيين فظن البعيد عن المسلمين وكذا القريب منهم ان السلطة في الاسلام استبدادية شخصية ، وأن الشورى محمدة اختيارية ، فياللّه العجب : أيصرح كتاب للّه