الشيخ محمد رشيد رضا

199

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في عتب ولا توبيخ اهتداء بكتاب اللّه تعالى ، فقد أنزل اللّه عليه آيات كثيرة في الواقعة بيّن فيها ما كان من ضعف في المسلمين وعصيان وتقصير حتى ما كان متعلقا بالظنون الفكرية والهموم النفسية ولكن مع العتب اللطيف المقرون يذكر العفو والوعد بالنصر واعلاء الكلمة وفوائد المصائب وقد كان خلقه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن كما ورد في الصحيح من حديث عائشة رضى اللّه عنها . أقول : كأنه يقول إنه كان من أصحابك يا محمد ما كان ، كما دلت عليه الآيات وهو مما يؤاخذون عليه فلنت لهم وعاملتهم بالحسنى ، وإنما لنت لهم بسبب رحمة عظيمة أنزلها اللّه على قلبك وخصك بها فعمت الناس فوائدها وجعل القرآن ممدا لها بما هداك اليه من الآداب العالية والحكم السامية التي هونت عليك المصائب وعلمتك منافعها وحكمها وحسن عواقبها للمعتبر بها ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) لأن الفظاظة وهي والشراسة ، والخشونة في المعاشرة وهي القسوة والغلظة وهما من الاخلاق المنفرة للناس لا يصبرون على معاشرة صاحبهما وإن كثرت فضائله ورجيت فواضله بل يتفرقون ، ويذهبون من حوله ويتركونه وشأنه لا يبالون ما يفوتهم من منافع الاقبال عليه ، والتحلق حواليه ، وإذا لفاتتهم هدايتك ، ولم تبلغ قلوبهم دعوتك ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) فلا تؤاخذهم على ما فرطوا واسأل اللّه تعالى أن يغفر لهم ولا يؤاخذهم أيضا فبذلك تكون محافظا على تلك الرحمة التي خصك اللّه بها ومداوما لتلك السيرة الحسنة ، التي هداك اللّه إليها ( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) العام الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم ، والخوف والأمن ؛ وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية ، أي دم على المشاورة وواظب عليها ، كما فعلت قبل الحرب في هذه الواقعةغزوة أحد ) وإن أخطأوا الرأي فيها فان الخير كل الخير في تربيتهم على المشاورة بالعمل دون العمل برأي الرئيس وإن كان صوابا ، لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم‌المشاورة ) فان الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر قال الأستاذ الامام : ليس من السهل أن يشاور الانسان ولا أن يشير ، وإذا كان المستشارون كثارا كثر النزاع