الشيخ محمد رشيد رضا
200
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وتشعب الرأي ، ولهذه الصعوبة والوعورة أمر اللّه تعالى نبيه أن يقرر سنة المشاورة في هذه الأمة بالعمل فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يستشير أصحابه بغاية اللطف ويصغى إلى كل قول ويرجع عن رأيه إلى رأيهم . وليس عندي عن الأستاذ في هذه المسألة غير هذا وأقول : الأمر المعرّف هنا هو أمر المسلمين المضاف إليهم في القاعدة الأولى التي وضعت للحكومة الاسلامية في سورة الشورى المكية وهي قوله تعالى في بيان ما يجب أن يكون عليه أهل هذا الدين ( 42 : 38 وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) فالمراد بالأمر أمر الأمة الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة ، لا أمر الدين المحض الذي مداره على الوحي دون الرأي ، إذ لو كانت المسائل الدينية كالعقائد والعبادات والحلال والحرام مما يقرر بالمشاورة لكان الدين من وضع البشر وإنما هو وضع إلهي ليس لأحد فيه رأى لا في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا بعده وقد روى أن الصحابة عليهم الرضوان كانوا لا يعرضون رأيهم مع قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مسائل الدنيا إلا بعد العلم بأنه قاله عن رأى لا عن وحى ، كما فعلوا يوم بدر إذ جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أدنى ماء من بدر فنزل عنده ، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح : يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال « بل هو الرأي والحرب والمكيدة » فقال يا رسول اللّه ليس هذا بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه الخ ما قال فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لقد أشرت بالرأي » وعمل برأيه أقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الركنالشورى ) في زمنه بحسب مقتضى الحال من حيث قلة المسلمين واجتماعهم معه في مسجد واحد في زمن وجوب الهجرة التي انتهت بفتح مكة فكان يستشير السواد الأعظم منهم وهم الذين يكونون معه ويخص أهل الرأي والمكانة من الراسخين بالأمور التي يضر إفشاؤها فاستشارهم يوم بدر لما علم بخروج قريش من مكة للحرب ؛ فلم يبرم الأمر حتى صرح المهاجرون ثم الأنصار بالموافقة . واستشارهم جميعا يوم أحد أيضا كما تقدم . وهكذا كان يستشيرهم في كل أمر من أمور الأمة إلا ما ينزل عليه الوحي ببيانه فينفذه حتما ، ولما كثر المسلمون