الشيخ محمد رشيد رضا

198

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قال الأستاذ الامام ، في معنى الحشر إلى اللّه تعالى : إنه ليس للّه تعالى مكان يحصره فيحشر الناس ويساقون إليه ولكن الانسان يغفل في هذه الدار عن اللّه فينسى هيبته وجلاله ، وينصرف عن استشعار عظمته وسلطانه ، لاشتغاله بدفع المكاره عن نفسه وجلب اللذات والرغائب لها . وأما ذلك اليوم الذي يحشر له الناس فلا اشتغال فيه بتقويم بنية ، ولا التمتع بلذة ، ولا مدافعه عدو ؛ ولا مقاومه مكروه ، ولا بتربية نفس ؛ ولا تنزيه حس ، وإنما يستقبل فيه كل أحد ما يلاقيه من اللّه تعالى جزاء على عمله لا يشغله عنه شئ ، فيكون بذلك راجعا عن كل شئ كان فيه إلى اللّه تعالى محشورا مع سائر الناس اليه لا يشغله عنه شىءقال ) وإذا كان مصير كل من يموت أو يقتل إلى اللّه تعالى مهما كان سبب موته أو قتله ، ومهما طالت حياته ، فالاشتغال بذكر سبب هذا المصير ومبدإه لا يفيد ، وإنما الذي يفيد هو الاهتمام بذلك المستقبل والاشتغال بالاستعداد له ، وذلك دأب العقلاء من المؤمنين . ( 159 : 153 ) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ 160 : 154 ) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ؛ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * الكلام التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يتعلق بمعاملتهم يقول تعالى لنبيه فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ قال الأستاذ الامام ما مثاله مع زيادة وإيضاح : الفاء للتعقيب لأن الكلام في واقعة خالف النبي فيها بعض أصحابه فكان لذلك من الفشل وظهور المشركين ما كان حتى أصيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع من أصيب فكان من لينه في معاملتهم ومخاطبتهم ومن رحمته بهم أن صبر وتجلد فلم يتشدد