الشيخ محمد رشيد رضا
182
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عورته فاستحييت منه ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه فهزموا أبا سفيان . فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع . فلما نظر الرماة إلى رسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر : فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم » اه أي قتلوا منهم سبعين كما هو معلوم من الروايات المفصلة . وإنما ذكرنا هنا رواية السدى بطولها لما فيها من التصريح بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال للرماة « فانا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم » والتفصيل الذي يعين على فهم الآية وغيرها ومنها أن الرماة لم يعصوا كلهم وإنما أولئك بعض عامتهم وأما الخاصة الراسخون في الايمان العارفون بالواجب فقد ثبتوا . والمختار عندنا أن المراد بوعد اللّه هنا ما تكرر في القرآن وإنما قال النبي ما قال للرماة عملا بالقرآن وتأولا له فإنه تعالى قرن الوعد فيه بشروط لا تتم الا بالطاعة والثبات فملخص تفسير الآية هكذا ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ) إياكم بالنصر حتى في هذه الواقعة ( إِذْ تَحُسُّونَهُمْ ) أي المشركين أي تقتلونهم قتلا ذريعا ( بِإِذْنِهِ ) تعالى أي بعنايته وتأييده لكم ( حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ ) ضعفتم في الرأي والعمل فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة ( وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ) فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون ؟ وقال الآخرون لا نخالف أمر الرسول ( وَعَصَيْتُمْ ) رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهوركم بنضح المشركين بالنبل ( مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ) من النصر والظفر فصبرتم على الضراء ولم تصبروا في السراء ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ) كالذين تركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة ليصيبوا منها ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) كالذين ثبتوا من الرماة مع أميرهم عبد اللّه بن جبير وهم نحو عشرة وكان الرماة خمسين رجلا . والذين ثبتوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهم