الشيخ محمد رشيد رضا

183

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ثلاثون رجلا أي صدقكم وعده ونصركم على قلتكم وكثرة المشركين واستمر هذا النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم فعندما وصلتم إلى هذه الغاية لم تعودوا مستحقين لهذه العناية ، لمخالفتكم لسننه في استحقاق النصر الذي وعد به أهل الثبات والصبر فعلى هذا تكون « حتى » للغاية و « إذا » في قوله « حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ » ليست للشرط وإنما هي بمعنى الحين والوقت . هذا هو المختار . والوجه الثاني : أنها للشرط وجوابها محذوف تقديره عند البصريين « منعكم نصرء » أو نحوه ، وقال الأستاذ الامام : ان الحكمة في حذف الجواب هنا على القول به هي أن تذهب النفس في تقديره كل مذهب ، ومثل هذا الحذف لا يأتي في الكلام البليغ إلا حيث ينتظر الجواب بكل شغف ولهف ولك أن تجعل تقديره : امتحنكم بالادالة منكم ليمحصكم ويميز المخلصين والصادقين منكم . أقول : وهذا هو صريح قوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وأبو مسلم قد قال إن هذه الجملة هي جواب « إذا » ولكن اقتران جواب الشرط بثم غير معروف لنا في كلام العرب . وحاصل المعنى أنه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم باذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارا لكم يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيّل بين الأقوياء والضعفاء ، كما علم من الآيات السابقة . وقد أسند اللّه تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل ، وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق « قل هو من عند أنفسكم » باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان . وقد عد بعضهم إسناد الصرف إليه هنا مشكلا لا سيما على مذهب المعتزلة الذين تكلف علماؤهم في تخريجه تكلفا لا حاجة إليه ، إذ لا إشكال فيه ولكن المذاهب والاصطلاحات ، هي التي تولد لأصحابها المشكلات . قال تعالى وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ بذلك التمحيص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم