الشيخ محمد رشيد رضا

181

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ * روى الواحدي عن محمد بن كعب قال : لما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا اللّه النصر ؟ فأنزل اللّه هذه الآية « وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ » الآية . ونقول : نعم ان الناس قالوا ذلك كما يعلم من قوله تعالى أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا وسيأتي ولكن هذا القول ليس سببا لنزول هذه الآية وحدها ، وإنما نزلت مع هذه الآيات الكثيرة بعد تلك الواقعة وما قيل فيها الوعد المشار إليه في الآية يحتمل أن يكون المراد به ما تكرر كثيرا في القرآن من نصر اللّه المؤمنين ونصر من ينصره « 1 » وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به ما دل عليه قوله تعالى « بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ » الآية « 2 » وقال بعضهم : ان المراد به وعد النبي لهم عند تعبئتهم ، واختاره ابن جرير وروى فيه عن السدى أنه قال « لما برز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال : لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم ، فانا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم ، وأمر عليهم عبد اللّه بن جبير أخا خوات بن جبير . ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال : يا معشر أصحاب محمد انكم تزعمون أن اللّه يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة ، فهل منكم أحد يعجله اللّه بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار ؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال : والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك اللّه بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة ، فضربه على فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال : أنشدك اللّه والرحم يا ابن عم فتركه . فكبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال لعلي أصحابه : ما منعك ان تجهز عليه ؟ قال : ان ابن عمى ناشدني حين انكشفت

--> ( 1 ) راجع ص 82 و 124 و 321 من ج 2 وص 151 و 235 من ج 3 ( 2 ) راجع ص 257 من المنار