الشيخ محمد رشيد رضا
178
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أي لم يقم برهانا من العقل ولا من الوحي على ما زعموا من ألوهيتها وكونها واسطة بين اللّه وبين خلقه . وانما قلدوا في اتخاذها واعتقادها آباءهم الذين اتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل . ومن كان كذلك غير مطمئن في دينه . ولا متبع للدليل في اعتقاده . فهو دائما عرضة لاضطراب القلب . واتباع خطرات الوهم . يعد الوساوس أسبابا . ويرى الهواجس مؤثرات وعللا . قياسا على اتخاذه بعض المخلوقات أولياء . وجعلهم وسائط عند اللّه وشفعاء . واعتياده بذلك أن يرجو ما لا يرجى منه خير . ويخاف ما لا يخاف منه ضير . فالاشراك قد يكون سببا طبيعيا لوقوع الرعب في القلب وما كان كذلك فان اللّه يسنده إلى نفسه وان لم يذكر السبب . لأنه هو واضع الأسباب والسنن . ولكنه قد صرح به هنا ليكون برهانا على بطلان الشرك وسوء أثره . وهذا الوجه المختار في تفسير الآية يوافق قول من جعل الوعيد فيها عاما وليس كل الكفر يثير الرعب بطبيعته . وإنما تلك طبيعة الشرك . وهو اعتقاد أن لبعض المخلوقات تأثيرا غيبيا وراء السنن الإلهية والأسباب . وصرح كثير من المفسرين بأن قوله تعالى « سنلقى » وعد للمؤمنين أنجزه يوم أحد في أول الحرب . ولا يظهر هذا بغير تأويل ولا تقدير الا إذا كانت الآية قد نزلت قبل القتال . والظاهر أنها نزلت مع ما قبلها وما بعدها عقب القتال وانصراف المشركين . وقال بعضهم : ان الوعد أنجز في غزوة حمراء الأسد . إذ أراد أبو سفيان ومن معه بعد الانصراف من أحد أن يرجعوا لاستئصال المسلمين فأوقع اللّه الرعب في قلوبهم لما قال لهم معبد ما قالراجع ص 253 ) قال الأستاذ الامام : في الآية وجهانأحدهما ) أن إلقاء الرعب خاص بتلك الواقعة . ولو كان عاما لشمل غزوة حنين . ولم يكن الكفار فيها مرعوبين . بل كانوا مستميتين . وكذلك نرى أن كثيرا من الكافرين قد حاربوا ولم يصهم الرعب وهذا الوجه هو الذي عليه مفسرناالجلال ) وكثير من المفسرين والوجه الثاني ) أن الآية بيان لسنة آلهية عامة وهو الحق وبيانه يتوقف على فهم المعنى المراد من لفظ « المؤمنين » ولفظ « الكافرين » وهو ما كان عليه المؤمنون والكافرون في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات . فأما أولئك المؤمنون فهم