الشيخ محمد رشيد رضا
179
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الذين كانوا في مرتبة من اليقين والاذعان : قد صدقها العمل الذي كان منه بذل الأنفس والأموال في سبيل الايمان . الذين عاتبهم اللّه ووبخهم على تلك الهفوة التي وقعت من بعضهم بما تقدم وما يأتي في هذا السياق من الآيات . وأما أولئك الكافرون فهم الذين دعوا إلى الايمان ، وأقيم لهم على الدعوة الدليل والبرهان . فجاحدوا وعاندوا وكابروا الحق ، وآثروا مقارعة الداعي ومن استجاب له بالسيف . وقعدوا له ولهم كل مرصد . فإذا نظرنا في شرك هؤلاء الكافرين . وفي حالهم مع أولئك المؤمنين . نجد أن شأنهم معهم كشأن من يرى نور الحق مع خصمه فيحمله البغى والعدوان على مجاحدته من غير حجة ولا دليل : يرتاب فيما هو فيه ويتزلزل فإذا شاهد الذين دعوه ثابتين مطمئنين يعظم ارتيابه ويهاب خصمه حتى يمتلأ قلبه رعبا منهم . هذا هو شأن الكافرين المعاندين . مع المؤمنين الصادقين . كأنه تعالى يقول : هذه هي الطبيعة في المشركين : إذا قاوموا المؤمنين . فلا تخافوهم ولا تبالوا بقول من يدعوكم إلى موالاتهم والالتجاء إليهم . قال : وبهذا يندفع قول من يقول : ما بالنا نجد الرعب كثيرا ما يقع في قلوب المسلمين ولا يقع في قلوب الكافرين . فان الذين يسمون أنفسهم مسلمين قد يكونون على غير ما كان عليه أولئك الذين خوطبوا بهذا الوعد من قوة اليقين والاذعان والثبات والصبر وبذل النفس والمال في سبيل اللّه وتمنى الموت في الدفاع عن الحق . فمعنى المؤمنين غير متحقق فيهم وانما رعب المشركين مرتبط بايمان المؤمنين وما يكون له من الآثار . فحال المسلمين اليوم لا يقوم حجة على القرآن لأن أكثرهم قد انصرفوا عن الاجتماع على ما جاء به الاسلام من الحق وما كان عليه سلفهم من الايمان والصفات والأعمال . فالقرآن باق على وعده ولكن هات لنا المؤمنين الذين ينطبق ايمانهم على آياته ولك من انجاز وعده في هذه الآية وغيرها ما تشاء : وتلا قوله تعال ( 24 : 55 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) الآية قال : وعلى هذا يكون الاشراك سببا للرعب كسائر الأسباب العادية التي ربط اللّه بها المسببات كالشرب للرى والأكل للشبع . فمن وصل اليه الحق تزلزل الباطل في