الشيخ محمد رشيد رضا
168
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وانقلبوا على أعقابهم : ما الذي تريدون بعملكم هذا ؟ إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فاللّه لا يمنعكم ذلك وما عليكم إلا أن تسلكوا طريقه ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد ، وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظا منه في الدنيا والمعول فيه على ما في الآخرة . فالمسألة معكم بين أمرين إرادة الدنيا وإرادة الآخرة ، كل يريد أمرا ولكل أمر سنن تتبع ولكل دار طريق تسلك . أقول : وسيأتي في هذا السياق قوله تعالى « مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ » وهو يؤيد الوجه الثاني مما أورده الأستاذ الامام وفي معناه قوله تعالى ( 42 : 20 مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) . وقد تقدم لهذا البحث نظير في تفسير قوله تعالى ( 2 : 200 فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ) الخ « * » وفيه بيان أن من يطلب الدنيا وحدها ولا يعمل للآخرة عملها فليس له في الآخرة من خلاق ، وان من هدى الاسلام أن يطلب المرء خير الدنيا وخير الآخرة ويقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة فالانسان يطلب ويريد بحسب سعة معرفته وعلو همته ودرجه إيمانه وله ما يريد كله أو بعضه بحسب سنن اللّه وتدبيره لنظام هذه الحياة . وفي سورة الإسراء تفصيل وتقييد في هذه المسألة قال تعالى ( 17 : 18 مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً 19 وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً 20 كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ، وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً 21 انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) ولا تنسينّ التقاليد الشائعة قارىء هذه الآيات عن سنن اللّه التي أثبتها في كتابه فيظن أن عطاءه تعالى وتفضيله لبعض الناس على بعض يكون جزافا ، بل الإرادة تجرى على السنن التي اقتضتها الحكمة ( 13 : 8 وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) ولإرادة الانسان دخل في تلك السنن والمقادير ولذلك قال « من كان يريد ؛ ومن أراد » فاعرف قيمة إرادتك واعرف قبل ذلك قيمة نفسك فلا تجعلها كنفوس الحشرات التي تعيش
--> ( * ) راجع ص 233 - 236 من ج 2 من التفسير .