الشيخ محمد رشيد رضا
169
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
زمنا محدودا ، ثم تفنى كأن لم تكن شيئا مذكورا انك قد خلقت للبقاء ولك في الوجود طوران طور عاجل قصير وهو طور الحياة الدنيا ، وطور آجل أبدى وهو طور الحياة الآخرة ، وسعادتك في كل من الطووين تابعة لإرادتك ، وما توجهك اليه من العمل في حياتك ، فأعمال الناس متشابهة ، ومشقتهم فيها متقاربة ، وإنما يتفاضلون بالارادات والمقاصد ، لأنها هي التي تكون تارة علة وتارة معلولا لطهارة الروح وعلو النفس وسموّ العقل ورقة الوجدان وهي هي المزايا التي يفضل بها انسان على إنسان . يحارب قوم حبا في الربح والكسب ، أو ضراوة بالقتل والفتك ، فإذا غلبوا أفسدوا في الأرض ، وأهلكوا الحرث والنسل ، ويحارب آخرون دفاعا عن الحق ، وإقامة لقوانين العدل ، فإذا غلبوا عمروا الأرض ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فهل يستوى الفريقان ، إذ استوى في البداية العملان ؟ وهما في القصد والإرادة متباينان يكسب الرجل طلبا للذات ، وحبا في الشهوات ، فيغلو في الطمع ، ويوغل في الحيل ، ويأكل الربا أضعافا مضاعفة ، حتى يجمع القناطير المقنطرة ، فإذا هو يمنع الماعون ويدعّ اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ، ولهو إذا سئل البذل في المصالح العامة أشد بخلا ، وأكزّ يدا وأقبض كفا ؛ ويكسب الرجل طلبا للتجمل في معيشته وحبا للكرامة في قومه وعشيرته ، فيجمل في الطلب ؛ ويتحرى الحلال من الربح ، ويلتزم الصدق والأمانة ، ويتوقى الغش والخيانة ثم هم ينفق من سعته فيواسى البائس الفقير ويعين العاجز والضعيف . وتكون له اليد في بناء المدارس والمعابد والمستشفيات والملاجىء ، فهل يستوى الرجلان وهما في الثروة سيان ؟ وفي ظاهر العمل متشابهان أم يفضل أحدهما الآخر بحسن الإرادة ؟ الإرادة تصغر الكبير وتكبر الصغير . وترفع الوضيع وتضع الرفيع . وبها تتسع دائرة وجود الشخص . حتى تحيط بكرة الأرض بل تكون أكبر من ذلك بما يتبوأ من منازل الكرامة في عالم العقول والأرواح ، وإذا كان يريد بعمله دار البقاء فان وجوده يكون كبيرا بحسب كبر ارادته وواسعا بسعة مقصده وبذلك