الشيخ محمد رشيد رضا
167
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا » ومنه الدين المؤجل الذي ضرب له أجل أي مدة يؤدى في نهايتها وقد يتوهم بعض أصحاب العقول المقيدة ، والافهام الضيقة ، أن كون الموت مؤجلا بأجل محدود في علم اللّه ، ينافي كونه بأسباب تجرى على سنن اللّه ؛ وليس لهذا التوهم أدنى شبهة من العقل فيرد بالدلائل النظرية ؛ ولا من الوجود فيفسر بالسنن الاجتماعية ؛ إلا أن كون الموت لا يكون إلا بالأجل ؛ أظهر من كونه لا يكون إلا مقرونا بالسبب فان الناس يتعرضون لأسباب المنايا بخوض غمرات الحروب والتعرض لعدوى الأمراض ؛ والتصدي لأفاعيل الطبيعة ؛ ثم قد يسلم في الحرب الشجاع المقدم ؛ ويقتل الجبان المتخلف . ويفتك المرض بالشاب القوى ، من حيث تعدو عدواه الغلام القمىء ، وتغتال فواعل الحر والبرد الكهل المستوى ؛ وتتجاوز عن الشيخ الضعيف ؛ ولكل عمر أجل ولكل أجل قدر ؛ والأقدار هي السنن التي بها يقوم النظام ، والحكم فيها مرتبطة بالأحكام ، وإن خفى بعضها على بعض الافهام هذه هي القاعدة الأولى في الآية . وأما الثانية فهي قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وإننا نذكر في تفسير العبارة صفوة ما قالوه ثم نبين القاعدة . قالوا : إنها تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد فتركوا موقعهم الذي أمرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بلزومه . وإن معناها أن من قصد بعمله حظ الدنيا أعطاه اللّه شيئا من ثوابها ومن قصد الآخرة أعطاه اللّه حظا من ثوابها . وصرح الرازي بأنها في معنى حديث « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ نوى » الخ الحديث المشهور . وقال الأستاذ الامام : هذه قضية أخرى وفيها وجهانأحدهما ) أنها رد لاستدلال من استدل بما حل بالمسلمين على أن ما هم عليه غير الحق فهي من هذا الوجه فرع من فروع قوله « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » فهو يقول إن لنيل ثواب الدنيا سننا ولنيل ثواب الآخرة سننا ، فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها . فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين في هذه المرة فلأنهم طلبوا لعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول كما تقدمو الوجه الثاني ) أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا