الشيخ محمد رشيد رضا

149

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من المصالح ) وليعلم اللّه . وإنما حذف للايذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ليسلبهم عما جرى عليهم وليبصرهم أن العبد يسوءه ما يجرى عليه من المصائب ولا يشعر أن للّه في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه » إه وجعل ابن جرير التقدير هكذا : وليعلم اللّه الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء يداولها بين الناس . وقد تقدم مثل هذا التعبير « 1 » في سورة البقرة ووجه الاشكال فيه وقول الأستاذ الامام ان المراد بعلم اللّه فيه علم عباده وانهم يفسرونه بعلم الظهور أي ليظهر علمه بذلك ، وقال هنا موضحا قول الجمهور : ان المراد بالعلم علم الظهور ، قالوا إن العلم بالشئ على أنه سيقع ثابت في الأزل فإذا وقع ذلك الشئ حصل تغير في ذلك المعلوم فصار حالا بعد أن كان مستقبلا ، فهل تعلق العلم به عند الوقوع هو عين تعلقه به من الأزل إلى قبيل وقوعه ؟ قال الحكماء ان الزمن ليس بشئ بالنسبة إلى اللّه فليس هناك تقدم ولا تأخر ولا متقدم ولا متأخر ، فتعلق العلم بالمعلوم واحد في الأزل والأبد . فعلى هذا القول يكون معنى « لِيَعْلَمَ اللَّهُ » ليظهر علمه للناس بظهور المعلوم لهم ، فهو كقوله « لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ » أي يعلم الناس ذلك ويميزونه . وأما جمهور المتكلمين فيقولون إن اللّه تعالى يعلم كل شئ أزلا وأبدا ولكن تعلق علمه بالأشياء على أنها ستقع غير تعلق علمه بها وهي واقعة فذلك علم غير ظاهر فيه المعلوم في الوجود وهذا علم ظهر متعلقه ووجد . والمراد بقوله « ليعلم » : الثاني . أقول وكنت أقرر هذه المسألة من قبل على هذا الوجه وأعبر تارة بعلم الغيب وعلم الشهادة مفسرا علم الغيب بما لم يوجد فيه المعلوم وعلم الشهادة بما ظهر فيه المعلوم ووجد . وذكرت ذلك للأستاذ في الدرس ، فقال : إنهم يريدون بعلم الغيب والشهادة معنى آخر « 2 » وكنت عازما على مراجعته في ذلك بعد الدرس فنسيت . ثم قال : ان العبارة ظاهرة الصحة وإيهام تجدد العلم الإلهي مدفوع ولكن ما النكتة في اختيار هذه العبارة وأمثالها كقوله في الآية التي بعد هذه الآية « ولما يعلم الله الذين آمنوا » ولم لم يبين المراد بعبارة لا إيهام فيها ؟ قال ما نصه « النكتة بيان أن العلم إذا لم يصدقه العمل لا يعتد به » وبيان ذلك أن الانسان كثيرا ما يتصور الشئ ويحكم بصحته فيرى أنه يعتقده ولكن إذا عرض العمل كذبه في اعتقاده وتبين أنه لم يكن

--> ( 1 ) راجع ص 8 ج 2 من التفسير ( 2 ) هذا المعنى معروف وله محل آخر في التفسير