الشيخ محمد رشيد رضا

150

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

متحققا به وإنما كان صورة انطبعت في مخه مع الغفلة عما يعارضها من سائر عقائده المتمكنة التي لها سلطان على وجدانه وأثر في عمله وأخلاقه وعاداته التي تجرى عليها أعماله . مثال ذلك أن بعض الناس تحدثه نفسه بأنه شجاع ويعتقد ذلك لعدم وجود ما يعارضه في نفسه حتى إذا ما عرض له ما تظهر به حقيقة الشجاعة بالفعل من الحاجة إلى ركوب الخطر وخوض غمرات الموت دفاعا عن الحق أو الحقيقة جبن وجزع وظهر غروره بنفسه وانخداعه لوهمه . ومثله من تحدثه نفسه بأنه لقوة إيمانه عظيم الثقة باللّه والتوكل عليه ، حتى تظهر الحوادث والوقائع أنه هلوع إذا مسه الشركان جزوعا ، وإذا مسه الخير كان منوعا ، لا يثق بربه ولا بنفسه . فأراد تعالى أن يرشدنا بقوله « ليعلم » إلى أن العلم لا يكون علما والايمان لا يكون إيمانا إلا إذا صدقهما العمل وظهر أثرهما بالفعل فكأنه قال ليتبين الذين آمنوا على طريق التمثل . أقول : وأظهر من هذا في تقرير هذا الوجه أن يقال : ان علم اللّه تعالى لا يكون إلا مطابقا للواقع ، فما لا يعلمه تعالى هو الذي ليس له حقيقة ثابت وكل ماله حقيقة ثابتة فلا بد أن يكون معلوما له تعالى ، فيكون معنى « لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا » ليثبت ويتحقق بالفعل إيمان الذين آمنوا أو صدقهم في إيمانهم . فإنه متى ثبت وتحقق كان اللّه عالما به على أنه حقيقة ثابتة . فأطلق أحد المتلازمين وأراد به الآخر على طريق المجاز المرسل وأما قوله وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ففيه وجهان أحدهما أنه من الشهادة في القتال وهي أن يقتل المؤمن في سبيل اللّه أي مدافعا عن الحق قاصدا إعلاء كلمته . والثاني أنه من الشهادة على الناس بالمعنى الذي تقدم في قوله عز وجل ( 2 : 143 لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) « 1 » والأول هو الذي يسبق إلى الذهن في هذا المقام . وإنما سمى هؤلاء المقتولون شهداء لأنهم يشاهدون بعد الموت من الملكوت ونعيمه ما لا يكون لغيرهم « 2 » أو لأنهم ببذل أنفسهم في سبيل اللّه يكونون من الشهداء على الناس يوم القيامة بالمعنى المشار إليه آنفا أو لأنه مشهود لهم بالجنة أو لأن الملائكة تشهد موتهم . أقوال وقوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ جملة معترضة مسوقة لبيان أن الشهداء يكونون

--> ( 1 ) راجع ص 3 ج 2 من التفسير ( 2 ) راجع ص 39 منه أيضا