الشيخ محمد رشيد رضا
148
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذه سنة من تلك السنن ، وهي ظاهرة بين الناس بصرف النظر عن المحقين والمبطلين والمداولة في الواقع تكون مبنية على أعمال الناس ، فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جزافا وانما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها . أي إذا علمتم أن ذلك سنة فعليكم أن لا تهنوا وتضعفوا بما أصابكم لأنكم تعلمون أن الدولة تدول . والعبارة تومىء إلى شئ مطوىّ كان معلوما لهم ، وهو أن لكل دولة سبب ، فكأنه قال : إذا كانت المداولة منوطة بالاعمال التي تفضى إليها كالاجتماع والثباث وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة واعداد ما يستطاع من القوة فعليكم أن تقوموا بهذه الاعمال وتحكموها أتم الاحكام . وفي الجملة من الايجاز وجمع المعاني الكثيرة في الالفاظ القليلة ما لا يعهد مثله في غير القرآن . ثم قال عز وجل ( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي فعل ذلك ليقيم سنته في مداولة الأيام وليعلم الذين آمنوا من الذين نافقوا و « قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ » أي يميزهم منهم . وقد تقدم ذكرهم في اجمال القصة وسيأتي ذكر لهم في الآيات فهو معطوف على محذوف تذهب العقول في تعيينه كل مذهب ، وتبحث عن حقيقته في كل فج ، أو تلتمسه في فوائد قاعدة جعل الأيام دولا بين الناس ، وعدم حصر الظفر والنصر في قوم دون قوم ، فكل ما وجدته يصلح حكمة وعلة لهذه القاعدة عددته من المطوى المحذوف . وأعمه ما أشرنا اليه آنفا وهو أن يقال في التقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليقوم بذلك العدل ويستقر النظام ، ويعلم الناظر في السنن العامة ، والباحث في الحكمة الإلهية البالغة ، أنه لا محاباة في هذه المداولة ، وليعلم الذين آمنوا منكم ، لأن الجهاد الاجتماعي الذي يدال به قوم على قوم مما يظهر ويتميز به الايمان الصحيح من غيره وقال في الكشاف « فيه وجهان أحدهما أن يكون المعلل محذوفا معناه : وليتميز الثابتون على الايمان من الذين على حرف فعلنا ذلك ، وهو من باب التمثيل بمعنى فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت منكم على الايمان من غير الثابت والا فان اللّه عزّ وجل لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها . وقيل معناه : ليعلمهم علما يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجودا منهم الثبات . والثاني أن تكون العلة محذوفة وهذا عطف عليه معناه وفعلنا ذلكأى مداولة الأيام ) ليكون كيت وكيتأى