الشيخ محمد رشيد رضا

147

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والجراح فذلك يدل على أن القراءة هي بالفتح وكان بعض أهل العربية يزعم أن القرح والقرح لغتان بمعنى واحد والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا » أي من أن القرح بالفتح يشمل الجرح والقتل ويؤيده أنه هو الذي حصل . وفي لسان العرب « القرح والقرح لغتان : عض السلاح ونحوه مما يجرح الجسد وقيل القرح الآثار والقرح الألم » أقول وإذا كان الأصل فيه عض السلاح وتأثيره فلا غرو أن يشمل القتل والجرح وابن جرير ثقة في نقله عن أهل العربية كنقله عن أهل العلم بالتفسير وغيره ، ولكن ليس له أن يمنع كون القراءتين لغتين في هذا المعنى . ونقل الرازي أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد . و « يمسسكم » من المس قال ابن عباس معناه يصبكم . قال الأستاذ الامام عبر بالمضارع بدل الماضي فلم يقل ان مسكم قرح ليحضر صورة المس في أذهان المخاطبين أقول : والمعنى إن يكن السلاح قد عضكم وعمل فيكم عمله يوم أحد فقد أصاب المشركين أيضا مثل ما أصابكم في ذلك اليوم أو في يوم بدر ، واعترض على الأول بان قرح المشركين يوم أحد لم يكن مثل قرح المؤمنين . وأجاب في الكشاف عن هذا فقال : بلى كان مثله ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار : ألا ترى إلى قوله « وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ » الآية وستأتي ، أقول : وهذا هو الذي اخترناه كما تقدم في ملخص القصة أي إن المشركين قد أصيبوا بمثل ما أصيب به المؤمنون يوم أحد ولم يكونوا غالبين . وقال الأستاذ الامام : ان اعتبار المساواة في المثل من التدقيق الفسلفى الذي لم تكن تقصده العرب في مثل هذه العبارة وهذا القول صحيح على كل تقدير . ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) الأيام جمع يوم وهو في أصل اللغة بمعنى الزمن والوقت فالمراد بالأيام هنا أزمنة الظفر والفوز . ونداولها بينهم نصرّفها فنديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء ، فالمداولة بمعنى المعاورة ، يقال داولت الشئ بينهم فتداولوه تكون الدولة فيه لهؤلاء مرة وهؤلاء مرة ، ودالت الأيام دارت . والمعنى أن مداولة الأيام سنة من سنن اللّه في الاجتماع البشرى فلا غرو أن تكون الدولة مرة للمبطل ومرة للمحق وانما المضمون لصاحب الحق أن تكون العاقبة له وانما الأعمال بالخواتيم قال الأستاذ الامام : هذه قاعدة كقاعدة « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » أي