الشيخ محمد رشيد رضا
133
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بلا مقابل والصدقة إعانة له واطعامه ما لا يستحقه فهي ضد الربا . ولم يرد في القرآن ذكر الربا إلا وقبح ومدحت معه الزكاة والصدقة كما قال في سورة الروم ( 30 : 39 وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) وفي سورة البقرة ( 2 : 276 يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ) . ثانيهما ) ان الانفاق في السراء والضراء أدل على التقوى وأشق على النفوس وأنفع للبشر من سائر الصفات والأعمال . قال الأستاذ الامام ما مثاله : إن المال عزيز على النفس لأنه الآلة لجلب المنافع والملذات ، ورفع المضار والمؤلمات ، وبذله في طرق الخير والمنافع العامة التي ترضى اللّه تعالى يشق على النفس ، أما في السراء فلما يحدثه السرور والغنى من الأشر والبطر والطغيان وشدة الطمع وبعد الأمل ، وأما في الضراء فلأن الانسان يرى نفسه فيها جديرا بأن يأخذ ومعذورا إن لم يعط وإن لم يكن معذورا بالفعل ، إذ مهما كان فقيرا لا يعدم وقتا يجد فيه فضلا ينفقه في سبيل اللّه ولو قليلا . وداعية البذل في النفس هي التي تنبه الانسان إلى هذا العفو الذي يجده أحيانا ليبذله . فإن لم تكن الداعية موجودة في أصل الفطرة فأمر الدين الذي وضعه اللّه لتعديل الفطرة المائلة وتصحيح مزاج المعتلة يوجدها ويكون نعم المنبه لها وقد فسر بعضهم الضراء بما يخرج الفقراء من هذه الصفة من صفات المتقين وليس بسديد يقول من لا علم عنده : إن تكليف الفقير والمسكين البذل في سبيل اللّه لا معنى له ولا عناء فيه . وربما يقول أكثر من هذا - يعنى أن أنه ينتقد ذلك من الدين . والعلم الصحيح يفيدنا أنه يجب أن تكون نفس الفقير كريمة في ذاتها وأن يتعود صاحبها الاحسان بقدر الطاقة وبذلك ترتفع نفسه وتطهر من الخسة وهي الرذيلة التي تعرض للفقراء فتجرهم إلى رذائل كثيرة ثم إن النظر يهدينا إلى أن القليل من الكثير كثير فلو أن كل فقير في القطر المصري مثلا يبذل في السنة قرشا واحدا لأجل التعليم لاجتمع من ذلك ألوف الألوف وتيسر به عمل في البلاد كبير فكيف إذا أنفق كل أحد على قدره كما قال تعالى « لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ » الخ .