الشيخ محمد رشيد رضا
134
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إذا كان اللّه تعالى قد جعل الانفاق في سبيله علامة على التقوى أو أثرا من آثارها حتى في حال الضراء وكان انتفاؤه علامة على عدم التقوى التي هي سبب دخول الجنة فكيف يكون حال أهل السراء الذين يقبضون أيديهم ؟ وهل يغنى عن هؤلاء من شئ أداء الرسوم الدينية الظاهرة التي يتمرنون عليها عادة مع الناس ؟ 2 - وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ قال الراغب الغيظ أشد الغضب وهو الحرارة التي يجدها الانسان من فوران دم قلبه وقال الأستاذ الامام : الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف فيزعجها إلى التشفي والانتقام ومن أجاب داعى الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفى بالحق بل يتجاوزه إلى البغى لذلك كان من التقوى كظمه ، وفي روح المعاني : أن الغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة ولا كذلك الغيظ ، وقيل : الغضب ما يظهر على الجوارح والغيظ ليس كذلك » اه والاقتصار في سبب الغيظ على رؤية ما ينكر غير مسلم ، أما الكظم فقد قال في الأساس : كظم البعير جرته ازدردها وكف عن الاجترار . . . وكظم القربة ملأها وسد رأسها وكظم الباب سده . وهو كظام الباب لسداده . ومن المجاز كظم الغيظ وعلى الغيظ ، فهو كاظم . وكظمه الغيظ والغم أخذ بنفسه فهو مكظوم وكظيم ( 68 : 48 إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) 16 : 58 ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) و : ما كظم فلان على جرته : إذا لم يسكت على ما في جوفه حتى تكلم به . و : غمنى وأخذ بكظمى . وهو مخرج النفس وبأكظامى اه . وقال الأستاذ الامام أصل الكظم مخرج النفس . والغيظ وإن كان معنى له أثر في الجسم يترتب عليه عمل ظاهر فإنه يثور بنفس الانسان حتى يحمله على ما لا يجوز من قول أو فعل فلذلك سمى حبسه وإخفاء أثره كظما . وقال الزمخشري في الكشاف بعد الإشارة إلى أصل معنى الكظم . ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثرا . ويروى عن عائشة أن خادما لها غاظها فقالت « للّه در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء » .