الشيخ محمد رشيد رضا
11
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فياليت شعري لو كان مثل الأستاذ أبو إسحق الأسفرايني الذي كان ينكر كرامات الأولياء حيا أكان يأمن على نفسه إذا أراد الحج ، وهو المعدود في عصر العلم من أئمة علماء السنة في أصول الدين ؟ وقل مثل هذا في الامام أبى بكر الباقلاني ، الذي كان يقول في الأرواح بمثل ما يقول جمهور علماء أوروبا اليوم من ماديين وغيرهم ، دع الفرق التي وسمت بالابتداع ، كالمعتزلة والخوارج والشيعة . ولم يكن أهل السنة يكفرون أحدا منهم ولا يعاقبونه على مخالفة الجمهور في بعض الآراء أيام كان قرب جمهور المسلمين من العلم والدين كبعدهم عنه اليوم . وقال الأستاذ الامام في قوله تعالى « مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا » أنه بيان لموقع الايجاب ومحله ، واعلام بأن الفرضية موجهة أولا وبالذات إلى هذا العمل ، ولكن اللّه رحم من لا يستطيع اليه سبيلا . والاستطاعة تختلف باختلاف الأشخاص : ولم يزد على ذلك وقوله تعالى : ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) تأكيد لما سبق ووعيد على جحوده ، وبيان لتنزيه اللّه تعالى بإزالة ما عساه يسبق إلى أوهام الضعفاء عند سماع نسبه البيت إلى اللّه ، والعلم بفرضه على الناس أن يحجوه من كونه محتاجا إلى ذلك . فالمراد بالكفر : جحود كون هذا البيت أول بيت وضعه إبراهيم للعبادة الصحيحة ، بعد إقامة الحجج على ذلك ، وعدم الاذعان لما فرض اللّه من حجه والتوجه إليه بالعبادة . هذا هو المتبادر . وحمله بعضهم على الكفر مطلقا على أنه كلام مستقل لا متمم لما قبله . وهو بعيد جدا ، وبعضهم على ترك الحج وهو بعيد أيضا ، وإن دعموه بحديث أبي هريرة مرفوعا : « من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا » رواه ابن عدي ، وحديث أبي أمامة عند الدارمي والبيهقي : « من لم يمنعه من الحج حاجه ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا » ورواه غيرهم باختلاف في اللفظ والروايات كلها ضعيفة إلا ما قيل في رواية موقوفة ؛ بل عده ابن الجوزي من الموضوعات . واعترض عليه لكثرة طرقه . وأمثل طرقه المرفوعة : ما روى عن علي كرم اللّه وجهه بلفظ : « من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت اللّه ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو