الشيخ محمد رشيد رضا
122
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قبلها ، وقال القفال رحمه اللّه : يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما تقدم ، من جهة أن المشركين أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا ، فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الاقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم ، فلا جرم نهاهم عن ذلك » اه والأول قول بعض المعتزلة ويقال في الثاني : إن المروى في السير أن المشركين أنفقوا في حرب أحد ما ربحوا في تجارة العير التي جاءت من الشام عام بدر كما تقدم ، فما أورده الرازي غير وجيه وقال الأستاذ الامام : وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن اللّه نصر المؤمنين وهم أذلة ، وأنهم إنما نصروا بتقوى اللّه وامتثال الأمر والنهى ، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة - وقد جاء هذا بعد النهى عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى - وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون ، وكان البعض الآخر مظنة أن يرابى توسلا لجلب المال المحبوب بسهولة . فكان الترتيب في الآيات هكذا : نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر ، ثم بين لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى اللّه وطاعته وطاعة رسوله ؛ ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردا وعكسا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد ، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررا وهو أكل الربا أضعافا مضاعفةقال ) وقد كان ما تقدم تمهيدا لهذا النهى وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال أقول : ويقوى رأى الأستاذ الامام أن السياق كان من أول السورة إلى نحو سبعين آية في محاجة النصارى ، ثم انتقل إلى اليهود ووردت قصة أحد وما فيها من العبر في سياق الكلام عن اليهود ، ثم بعد انتهائها يعود الكلام إلى اليهود سيما فيما يتعلق بأمر المال والنفقات ، فلا غرو إذا ذكر في أول الكلام في هذه