الشيخ محمد رشيد رضا

10

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الصلاة ، فهو يفيد بمقتضى السياق معنى خبريا وبمقتضى الصيغة معنى انشائيا ، وهو وجوب الحج على المستطيع من هذه الأمة . أشار إلى ذلك الأستاذ الامام بقوله : هذه الجملة - وإن جاءت بصيغة الايجاب - هي واردة في معرض تعظيم البيت ، وأي تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه ؟ وما زالوا يحجونه من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلّى اللّه عليهما وعلى آلهما وسلم . ولم يمنع العرب عن ذلك شركها ، وإنما كانوا يحجون عملا بسنة إبراهيم . يعنى أن الحج عمل عام جروا عليه جيلا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم ، وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم . فهي أصح من نقول المؤرخين التي تحتمل الصدق والكذب . وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب ، وثبت أن النبي على ملة إبراهيم دونهم . أما الحج فمعناه في أصل اللغة القصد ، - وهو بكسر الحاء - وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ، وفتحها . وبه قرأ الباقون . وقيل : الفتح لغة الحجاز ، والكسر لغة نجد . وقد تقدم تفصيل أعماله في تفسير آيات سورة البقرة . وأما استطاعة السبيل : فهي عبارة عن القدرة على الوصول اليه . وهي تختلف باختلاف الناس في أنفسهم وفي بعدهم عن البيت وقربهم منه . وكل مكلف أعلم بنفسه - وان كان عاميا - من غيره وإن كان عالما نحريرا . وما زاد الناس اختلاف العلماء في تقسير الاستطاعة إلا بعدا عن حقيقتها الواضحة من الآية أتم الوضوح إذ قال بعضهم : إن الاستطاعة صحة البدن والقدرة على المشي . وقال بعضهم : انها القدرة على الزاد والراحلة . واشترطوا فيها : أمن الطريق ، ولم يشترطوا الأمن في أرض الحرم ، لأنها كانت آمنة قطعا . وأما في هذا الزمان فما كل أحد يأمن فيها ؛ لا سيما إذا كان متهما بالاشتغال بالسياسة . وكيف ؟ وقد ألقى بعض علمائها في ظمة السجن مكبلا بالسلاسل والاغلال ، ولا ذنب له إلا أنه ألف كتابا أيد فيه التوحيد « 1 » وبين فساد ما طرأ على الناس من نزغات الوثنية التي يعبرون عنها بالتوسل بالأولياء .

--> ( 1 ) هو الشيخ أبو بكر خوقير رحمه اللّه . ألف كتاب فصل المقال في توسل الجهال . فعاقبه الحسين بن علي بالسجن هو وابنه ، حتى مات ابنه في السجن . وما خرج الشيخ أبو بكر إلا بعد دخول الملك آل سعود وكتبه المعتصم رضا