الشيخ محمد رشيد رضا

112

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الزيادة في مادته كمد النهر بنهر أو سيل آخر . قال تعالى ( 23 : 55 أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ 56 نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ؟ ) فالامداد يكون بالمال وهو ما يتمول وينتفع به ويكون بالاشخاص . والامداد بالملائكة يصح أن يكون من قبيل الامداد بالمال الذي يزيد في قوة القوم وأن يكون من الامداد بالاشخاص الذين ينتفع بهم ولو نفعا معنويا وذلك أن الملائكة أرواح تلابس النفوس فتمدها بالالهامات الصالحة التي تثبها وتقوى عزيمتها ، ولذلك قال عز وجل وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ قال ابن جرير : يعنى تعالى ذكره وما جعل اللّه وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ يقول وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن اليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم « وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » يعنى وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون اللّه لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة اه وأقول : الظاهر أن يكون التقدير وما جعل اللّه ذلك القول الذي قاله لكم الرسول وهو « أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ » الخ إلا بشرى يفرخ بها روعكم وتنبسط به أسارير وجوهكم وطمأنينة لقلوبكم التي طرقها الخوف من كثرة عدوكم واستعدادهم . أي إن قول الرسول له هذا التأثير في تقوية القلوب وتثبيت النفوس . وإنما أرجعنا ضمير « جعله » إلى قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا إلى وعد اللّه عز وجل لأن الآيتين السابقتين ليستاوعدا من اللّه بالامداد بالملائكة وإنما هما إخبار عما قاله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فقد أخبر تعالى في تينك الآيتين أن رسوله قال لأصحابه ذلك القول وبين في هذه الآية فائدة ذلك القول ومنفعته مع بيان الحقيقة وهي أن النصر بيد اللّه العزيز أي القوى الذي لا يمتنع عليه شئ الحكيم الذي يدبر الأمر على خير سنن ، ويقيمه بأحسن سنن ؛ فيهدى لأسباب النصر الظاهرة والباطنة من يشاء ؛ ويصرف عنهما من يشاء ، فان حصل الامداد بالملائكة فعلا فما يكون إلا جزءا من أجزاء سبب النصر أو فردا من أفراده ومنه إلقاء الرعب والخوف في قلوب الأعداء ، ومنه سائر الأسباب المعروفة من الصبر والثبات وحسن التدبير ومعرفة المواقع وغير ذلك فان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم