الشيخ محمد رشيد رضا
113
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سلك إلى أحد أقرب الطرق وأخفاها عن العدو وعسكر في أحسن موضع وهو الشعبالوادى ) وجعل ظهر عسكره إلى الجبل وجعل الرماة من ورائهم ، فلما اختل بعض هذه التدبيرات لم ينتصروا وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد وهو ما نفاه ابن جرير وقد ذكرنا عبارته ، بل روى عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر ، وفيما عداه كانوا عددا ومددا لا يقاتلون . وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال : ان الملك الواحد يكفى في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط . فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة ؟ وأيضا فان أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم ، وأيضا لو قاتلوا فاما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أولا ، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ، ولأنه خلاف قوله ( 8 : 44 وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ) ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك البتة ؛ وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب ان يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف . وأيضا إنهم لو كانوا أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكل . وإن كانوا أجساما لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول ، اه ذكر ذلك الرازي والنيسابوري . فالرازى أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله : الحجة الأولى - الحجة الثانية الخ ؛ ولخصه النيسابوري عنه بما ذكرناه واعترض الرازي عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين ، وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبين لها مخرجا ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازي على أبى بكر الأصم ، وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من اللّه تعالى بامداد المؤمنين بألف من الملائكة « تفسير آل عمران » « 8 رابع » « س 3 ج 4 »