الشيخ محمد رشيد رضا

9

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حل ما فعلوا من رمى الكعبة بالمنجنيق ، ولكنها السياسة تحمل صاحبها على مخالفة الاعتقاد ، وتوقعه في الظلم والالحاد ، وان ما يفعل الآن في الحرم من الظلم والالحاد المستمر لم يسبق له نظير في جاهلية ولا إسلام . ولا ضرورة ملجئة اليه ، وإنما هي السياسة السوءى قضت بتنفير الناس من أمراء مكة وشرفائها وإبعاد عقلاء المسلمين عنها حتى لا يكون للمسلمين فيها قوة في الدين ولا في العلم والرأي ! ! وما ذا يكون من ضرر هذه القوة ؟ يوسوس لهم شيطان السياسة : أن عمران الحجاز وثقة الناس بأمرائه وشرفائه ، وأمن العقلاء والسروات فيه ربما يكون سببا في إنشاء خلافة عربية فيه . إن كثيرا من أمراء المسلمين ونابغيهم يعلمون أن دون أدائهم لفريضة الحح عقبات سياسية لا يسهل اقتحامها . وقد جاء في صحف الأخبار أن أمير مصر استأذن السلطان في حج والدته وبعض أمراء أسرته فلم يأذن . وقد كان الأستاذ الامام يعتقد اعتقادا جازما فيه أنه إذا حج يلقى بيديه إلى التهلكة ، وأنه لا أمان له في الحرم الذي كان يرى الجاهلي فيه قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء . وان كاتب هذه السطور يعتقد مثل هذا الاعتقاد . فنسأل اللّه تعالى أن يحقق لنا ثانية مضمون قوله ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) لنمتثل ما فرضه علينا من حج هذا البيت - كما يأتي في تتمة الآية - فلا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال : إن المراد به الامن من العذاب يوم القيامة . وقد رد الأستاذ الامام هذا التأويل ، وقال ما معناه : انه هدم للدين كله . فان الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح ، الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر اللّه تعالى ، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الايمان ، إذا أخلص صاحبه فيه . أقول : ولا تنس في هذا المقام مثل قوله تعالى ( 6 : 82 الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) وما رووه في ذلك من الآثار لا ينافي المتبادر المختار ، وما أظن أن ذلك يصح عن الإمام جعفر الصادق كما قيل . أما قوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت جاءت بصيغة الايجاب والفرضية في معرض ذكر مزاياه ودلائل كونه أول بيوت العبادة المعروفة للمعترضين من اليهود على استقباله في