الشيخ محمد رشيد رضا
106
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : واللّه إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن كان يسكب الماء وبما دووى ، كانت فاطمة ابنته تغسله وعلى يسكب الماء بالمجن الترس ) فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها فاستمسك الدم ولما انكفأ المشركون راجعين ظن المسلمون أنهم يريدون المدينة فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعلى « اخرج في آثار القوم فانظر ما ذا يصنعون وما ذا يريدون ؟ فان هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة ، وإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة . فو الذي نفس محمد بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم فيها » فرآهم على قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة . ولما عزموا على الرجوع أشرف أبو سفيان على المسلمين وناداهم : موعدكم الموسم ببدر . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « قولوا : نعم قد فعلنا » ولما كان المشركون في الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض : لم تصنعوا شيئا أصبتم شوكتهم وحدهم وتركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم . فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنادى الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال « لا يخرج معنا إلا من شهد القتال » فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف وقالوا « سمعا وطاعة » وذلك من خوارق قوة الايمان وآياته الكبرى ، فان هؤلاء المستجيبين كان قد برح بهم التعب والجراح تبريحا فسار بهم حتى بلغوا حمراء الأسد « 1 » وأقبل معبد الخزاعي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلم فأمره أن يلحق بأبى سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء « 2 » فقال : ما وراءك يا معبد ؟ فقال : محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم ، فقال : ما تقول ؟ قال : ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة . فقال أبو سفيان : واللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم
--> ( 1 ) موضع على ثمانية أميال من المدينة كما في القاموس . ( 2 ) الروحاء موضع على طريق مكة يبعد 40 أو 36 ميلا عن المدينة