الشيخ محمد رشيد رضا
103
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فأشار بيده أن اسكت . واجتع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه وفيهم أبو بكر وعمر وعلى والحارث بن الصمة الأنصاري وغيرهم . وأنزل اللّه النعاس على المسلمين أمنة ورحمة فكانوا يقاتلون ولا يشعرون بألم ولا خوف وفي صحيح مسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم افرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من المهاجرين الحديث ؛ وفيه أن السبعة قتلوا دونه إذ كان ينبرى للدفاع عنه واحد بعد واحد ولم يخرج القرشيان ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم « ما انصفنا أصحابنا » وفي صحيح ابن حبان عن عائشة قالت قال : أبو بكر لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكنت أول من فاء اليه ، فرأيت بين يديه رجلا يقاتل فقلت : كن طلحة فداك أبي وأمي « مرتين » فلم انشب ان أدركني أبو عبيدة بن الجراح وهو يشتد كأنه طير فدفعنا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا طلحة بين يديه صريعا فقال صلّى اللّه عليه وسلّم « دونكم أخاكم فقد أوجب » اى وجبت له الجنة : وقد زلزل كل أحد ساعتئذ الا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه لم يتحرك من مكانه وأدرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبى بن خلف وهو مقنع بالحديد على جواد له يقال له العود كان يعلفه في مكة ويقول : اقتل عليه محمدا . وكان قد بلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خبره فقال « بل انا اقتله إن شاء اللّه » فلما اقترب منه استقبله مصعب بن عمير فقتل مصعبا وجعل يقول اين هذا الذي يزعم أنه نبي ؟ فليبرزلى فإنه ان كان نبيا قتلني . فتناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحربة من الحارث بن الصمة فطعنه بها فجاءت في ترقوته من فرجة بين سابغة الدرع والييضة فكر الخبيث منهزما فقال له المشركون : واللّه ما بك من بأس . فقال : واللّه لو كان مابى بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون . ومات من ذلك الجرح في سرف مرجعه إلى مكة كذا في سيرة ابن هشام والسيرة الحلبية ، وذكر الأول ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما اخذ الحربة منه انتفض انتفاضه تطايرنا عنه تطاير الشعراء « 1 » عن ظهر البعير ثم طعنه طعنة تدأدأ « 2 » منها عن فرسه مرارا . وفي زاد المعاد أنه مات برابغ . أقول : ولم يقتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته أحدا سواه ، لأنه على كونه كان أشجع الناس وأثبتهم في مواقف القتال كان أرحمهم وأرأفهم ؛ ولذلك كان يكتفى بالتدبير والتثبيت والدفاع عن نفسه ولعله لو
--> ( 1 ) الشعراء ذباب له لدغ ( 2 ) تدأدأ تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج .