الشيخ محمد رشيد رضا
104
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لو رأى مندوحة عن قتل أبى لما قتله . وقد كان به ذلك اليوم من ألم الجراح أن عجز عن الصعود إلى صخرة أراد أن يعلوها فوضع له طلحة ظهره فقام عليه فنهض به حتى صعدها وحانت الصلاة فصلى بالناس جالسا تحت لواء الأنصار وقتل في ذلك اليوم حمزة بن عبد المطلب رضى اللّه تعالى عنه قتله وحشى الحبشي الراصد له ، وقد عرفه وهو خائض المعمعة كالجمل الأورق يقط الرقاب ويجندل الابطال لا يقف في وجهه أحد ، فرماه بحربته عن بعد على طريقة الحبشة وكان قد اتقنها ولو قرب منه لما نال الا حتفه . وقد شق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قتل عمه إذ كان - على قربه - من السابقين إلى الايمان به والمانعين له ، وكان أشد أهله بأسا وأعظمهم شجاعة ، بل لو قلنا إنه كان أشجع المسلمين أو العرب في ذلك العهد لم نكن مبالغين ، فقد رى أن عمر بن الخطاب لما أقبل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم اسلامه خافه المسلمون إلا حمزة فإنه وطن نفسه على قتله بلا مبالاة . وخلف حمزة في بأسه وشجاعته على كرم اللّه وجهه وقد انتهت الحرب بصرف اللّه المشركين عما كانوا يريدون من استئصال المسلمين فان المسلمين كانوا أولا هم الغالبين بحسن تدبير الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والصبر والثبات وتمحض القصد إلى الدفاع عن دين اللّه وأهله ، فلما أخرجهم الظفر عن التزام طاعة رسولهم وقائدهم ودب إلى قلوب فريق منهم الطمع في الغنيمة فشلوا وتنازعوا في الأمر كما سيأتي في تفسيره قوله ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ) وزادهم فشلا إشاعة قتل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حتى فر كثيرون إلى المدينة منهم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ؛ ولكنهم استحيوا من دخولها فرجعوا بعد ثلاث . واختلط الأمر على كثير ممن ثبت ، ولما جاءهم خالد بالفرسان من ورائهم صار يضرب بعضهم بعضا على غير هدى ، فمنهم الذين استبسلوا وأرادوا أن يموتوا على ما مات عليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومنهم الذين كانوا معه صلّى اللّه عليه وسلّم يفدونه بأنفسهم ويتلقون السهام والسيوف دونه حتى كان يعز عليهم أن يروه ناظرا إلى جهة المشركين لئلا يصيبه سهم ، فكان أبو طلحة الذي تقدم ذكر نضاله عنه يقول له : يا نبي اللّه بأبى أنت وأمي لا تنظر يصبك سهم من سهام القوم ، نحرى دون نحرك . ولما علم سائر المسلمين ببقاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نفخت فيهم روح جديدة من القوة فاجتمع أمرهم حتى يئس المشركون منهم وصرفهم