الشيخ محمد رشيد رضا

7

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليه السّلام بما ذكر لرد ما بين أهل الكتابين في شأنه عليه السّلام من التفريط والافراط . ثم قال تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ، وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ قال الأستاذ الامام ما مثاله مبسوطا . إذا جرينا في فهم الآية على تفسير مفسرنا ( الجلال ) وأضرابه نكون جبرية لا نقبل دينا ولا شرعا ولا يكون لنا في الكلام عبرة لأنهم يقولون ما قصاراه إن اللّه تعالى هو الذي غرس في قلوب هؤلاء الذين جاءوا من بعد الأنبياء بذور الخلاف والشقاق ، وقضى عليهم بما ألزمهم العدوان والاقتتال . فإنه شاء أن يكونوا هكذا فكانوا مضطرين في الباطن وإن كان لهم اختيار ما بحسب الظاهر : فلندع هذا ولننظر ما تدل عليه هذه الكلمات القليلة من اتفاق حكمة اللّه تعالى مع مشيئته في خلق الانسان وسننه في شؤونه الاجتماعية . لم يخلق اللّه الناس بقوى محدودة متساوية في أفرادهم لا تتجاوز طلب ما به قوام الجسم بالالهام الفطري والادراك الجزئي ، كالأنعام السائمة والطيور الحائمة ، بل خلق الانسان كما نعرفه الآن - جعل له عقلا يتصرف في أنواع شعوره ، وفكرا يجول في طرق حاجاته البدنية والنفسية ، وجعل ارتقاءه في إدراكه وأفكاره كسبيا ينشأ ضعيفا فيقوى بالتدريج حسب التربية التي يحاط بها والتعليم الذي يتلقاه وتأثير حوادث الزمان والمكان والأسوة والتجارب فيه وجعل هداية الدين له أمرا اختياريا لا وصفا اضطراريا فهي معروضة أمامه يأخذ منها بقدر استعداده وفكره كما هو شأنه في الاخذ بسائر أنواع الهداية والاستفادة من منافع الكون . هذه هي سنته تعالى في الانسان وهي منشأ الاختلاف . فهو يقول لو شاء اللّه أن لا يجعل سنته في تبليغ الدين وعرضه على الناس هكذا بأن يجعله من إلهاماتهم العامة وشعورهم الفطري كشعور الحيوان وإلهامه ما فيه منفعته لكانوا في هداية الدين سواء يسعدون به أجمعين فتمنعهم بيناته أن يختلفوا فيقتتلوا ولكنه خلق الانسان على غير ما خلق عليه الحيوان وكان ذلك سبب اختلاف أهل الأديان ، فمنهم من آمن إيمانا صحيحا فأخذ الدين على وجهه ، إذ فهمه حق فهمه ، ومنهم من لبسه مقلوبا وحكم هواه في تأويله فكان كافرا به في الحقيقة