الشيخ محمد رشيد رضا

8

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وإن كان غاليا فيما أحدث فيه من مذهب أو طريقة ، وكان ذلك مدعاة التخاصم وسبب التنازع والتقاتل ، اختلف اليهود في دينهم فاقتتلوا . وأما النصارى فلم تختلف أمة اختلافهم ، ولم يقتتل أهل المذاهب في دين من الأديان اقتتالهم ، بل كان المذهب الواحد من مذاهبهم يتشعب إلى شعب يقاتل بعضها بعضا . وكان يجب أن يحذر المسلمون من هذا الاختلاف أشد الحذر لكثرة ما نهاهم اللّه عن الاختلاف وأنذرهم العذاب عليه في الدنيا والآخرة . وقد امتثلوا أمره تعالى بالاتحاد والاعتصام وانتهوا عما نهاهم عنه من التفرق والاختلاف ، في عصر صاحب الرسالة وطائفة من الزمن بعده ، فكانوا خير أمة أخرجت للناس . ثم لم يلبثوا أن ذهبوا في الدين مذاهب ، وفرقوا دينهم فكانوا في شريعته مشارب ، فاقتتلوا في الدين قليلا وفي السياسة التي صبغوها بصبغة الدين كثيرا . وقد تمادوا في هذا الشقاق والاختلاف فانتهوا إلى زمن صاروا فيه أبعد الأمم عن الاتفاق والائتلاف . ثم قال تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا قال الأستاذ الامام : يمكن تفسير هذه الجملة بمثل ما فسرت به الجملة الأولى . والأولى أن تفسر بوجه آخر أخص ، كأن يقال : لو شاء اللّه تعالى أن تكون سنته في الانسان على ما فطر عليه من الاختلاف أن يعذر المختلفون من أفراده بعضهم بعضا ويوطن كل فريق منهم نفسه على أن ينتصر لرأيه بالحجة ويسعى إلى مصلحته بالفطنة لما اقتتلوا على ما يختلفون فيه ولكنه جعلهم دجات في الفهم والحزم ، وأودع في غرائزهم المدافعة عن حقيقتهم والنضال دون مصلحتهم بكل ما قدروا عليه من قول وعمل . فالقوى بالرأي يحارب بالرأي والقوى بالسيف يقاوم بالسيف فكان الاختلاف في الرأي والمصالح معامع عدم العذر مؤديا إلى الاقتتال لا محالة . قال هكذا خلق الانسان فلا يقال : لم خلقه هكذا ؟ لان هذا بحث عن أسرار الخلقة ككبر أذني الحمار وصغر أذني الجمل ولذلك قال وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ أي إن اختصاص الناس بهذه المزايا هو أثر إرادته وتخصيصها فلا مرد له : فعلم بهذا أن لا تكرار في الآية وقد تقدم الكلام في اختلاف البشر وأسبابه مفصلا تفصيلا فيما كتبه الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى في تفسير قوله تعالى ( 213 كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) وقد عن لي الآن أن أختم تفسير الآية بسرد بعض الآيات