الشيخ محمد رشيد رضا

4

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) فجعل كلامه لرسله ثلاثة أنواع . والظاهر أن تكليم موسى كان من النوع الثاني في الآية وكلها تسمى وحى اللّه وكلام اللّه . وقال بعضهم : إن هذا النوع من التكليم كان لنبينا عليه الصلاة والسّلام في تجلى ليلة المعراج فهو المراد بمن كلم اللّه هنا ، والجمهور على القول الأول ، وإن كان لفظ « مِنْ » يتناول أكثر من واحد . أقول : وقد خاض علماء العقائد في مسألة الكلام الآلهى والتكليم وتبعهم المفسرون فقال بعضهم كالمعتزلة ان التكليم فعل من أفعال اللّه تعالى كالتعليم والكلام ما يكون به . وقال الجمهور ان كلام اللّه تعالى صفة من صفاته تتعلق بجميع ما في علمه وتكليمه الرسل عبارة عن إعلامهم بما شاء من علمه . وما به الاعلام هو كلام اللّه وهو كما قال الأستاذ الامام في رسالة التوحيد : شأن من شؤونه قديم بقدمه : أي إنه تعالى متصف في الأزل بالكلام أي بالصفة التي يكون بها التكليم متى شاء كما أنه متصف في الأزل بالقدرة التي بها يكون الخلق والتقدير متى شاء . هذا أوضح ما يبين به مذهب أهل السنة والجماعة في كلام اللّه تعالى النفسي . وهو أن له صفة ذاتية بها يعلم من يشاء من عباده بما شاء من علمه متى شاء وهذا الاعلام هو التكليم والوحي . ولا يجوز لنا البحث عن كيفية كلامه القديم . ولا عن كيفية تكليمه رسله وإيحائه إليهم . قال الأستاذ الامام في الدروس : إن هذا الكلام مما لا يمكن أن يعرفه إلا النبي المكلم . فلا ينبغي لنا أن نبحث فيه ونحاول الوقوف على كنهه حتى إن النبي المكلم نفسه لا يستطيع أن يفهمه لغيره . لأنه ليس له عبارة تدل عليه : يعنى ان ما كان للرسل عليهم السّلام من تكليم اللّه وما خصهم به من وحيه هو من قبيل الوجدان والشعور النفسي ، كالشعور بالسرور واللذة والألم فلا يمكن التعبير عن حقيقته . وليس هو من قبيل التصورات والخواطر . ولا نزيد على هذا البيان في هذا الكلام ، فإنه من مزال الاقدام والأقلام ، فنحن نؤمن بكلام اللّه تعالى ووحيه ، مع تنزيهه في ذاته وصفاته عن مشابهة خلقه ، فان وقع في كلامنا ما يوهم خلاف هذه العقيدة السلفية فهو من عثرات القلم الضعيف في البيان ، لا من شذوذ عن صراط اللّه المستقيم في الايمان وأما قوله تعالى وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ فذهب جماهير المفسرين إلى أن