الشيخ محمد رشيد رضا

3

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على القيام بذلك فذكر الأنبياء المرسلين الذين كانوا أقطاب الهداية ، ومحل التوفيق منه والعناية ، الذين بين الدليل في آخر السياق الماضي على أن المخاطب بهذا القرآن الذي فيه سيرتهم منهم . وكان قد ذكر قبل ذلك داود وما آتاه اللّه من الملك والنبوة - ذكرهم مبينا تفضيل بعضهم على بعض ، وخص بالذكر أو الوصف من بقي لهم أتباع وذكر ما كان من أمر أتباعهم من بعدهم في الاختلاف والاقتتال ثم عاد إلى الموضوع الأول وهو الانفاق وبذل المال في سبيل اللّه لكن بأسلوب آخر كما ترى في الآية التي تلى هذه الآية . قال تعالى * * * تِلْكَ الرُّسُلُ أي المشار إليهم بقوله « وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » في آخر الآية السابقة ، ومنهم داود الذي ذكر في الآية التي قبلها . وهذا أظهر من قولهم : المراد بالرسل من ذكروا في هذه السورة ، أو من قص اللّه على النبي قبل هذا من أنبائهم ، أو المراد جماعة الرسل فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مع استوائهم في اختيار اللّه تعالى إياهم للتبليغ عنه وهداية خلقه إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة والتصريح بهذا التفضيل وذكر بعض المفضلين يشبه أن يكون استدراكا مع ما ذكر في الآيات السابقة من إيتائه تعالى داود الملك والحكمة وتعليمه مما يشاء . فهو يقول إنهم كلهم رسل اللّه ، فهم حقيقون بأن يتبعوا ويقتدى بهداهم ، وإن امتاز بعضهم على بعض بما شاء اللّه من الخصائص في أنفسهم وفي شرائعهم وأممهم . وقد بين هذا التفضيل في بعض المفضلين فقال مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ بصيغة الالتفات عن الضمير إلى التعبير بالظاهر لتفخيم شأن هذه المنقبة . والغرض من هذا الالتفات إلفات الأذهان إلى هذه المنقبة تفخيما لها وتعظيما لشأنها . وهذا التكليم كان من اللّه تعالى لسيدنا موسى عليه الصلاة والسّلام كما قال تعالى في سورة النساء ( 4 : 164 وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ) وفي سورة الأعراف ( 7 : 143 وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) وفي الآية التي بعدها ( 144 قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي ) فهذه الآيات تدل على أن موسى قد خص بتكليم لم يكن لكل نبي مرسل ، وإن كان وحى اللّه تعالى عاما لكل الرسل ، ويطلق عليه كلام اللّه تعالى وقد قال تعالى في سورة الشورى ( 42 : 51 وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ