الشيخ محمد رشيد رضا
25
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
« معنى الوجود وإن كان بديهيا عند العقل ولكنه يتمثل له بالظهور ثم الثبات والاستقرار وكمال الوجود وقوته بكمال هذا المعنى وقوته بالبداهة . « كل مرتبة من مراتب الوجود تستبع بالضرورة من الصفات الوجودية ما هو كمال لتلك المرتبة في المعنى السابق ذكره . وإلا كان الوجود لمرتبة سواها وقد فرض لها . ما يتجلى للنفس من مثل الوجود لا ينحصر ، وأكمل مثال في أي مرتبة ما كان مقرونا بالنظام والكون على وجه ليس فيه خلل ولا تشويش فإن كان ذلك النظام بحيث يستتبع وجودا مستمرا وإن كان في النوع كان أدل على كمال المعنى الوجودي في صاحب المثال . « فان تجلت للنفس مرتبة من مراتب الوجود على أن تكون مصدرا لكل نظام كان ذلك عنوانا على أنها أكمل المراتب وأعلاها وأرفعها وأقواها . « وجود الواجب هو مصدر كل وجود ممكن كما قلنا وظهر بالبرهان القاطع فهو بحكم ذلك أقوى الوجودات وأعلاها فهو يستتبع من الصفات الوجودية ما يلائم تلك المرتبة العلية وكل ما تصوره العقل كمالا في الوجود من حيث ما يحيط به من معنى الثبات والاستقرار والظهور وأمكن أن يكون له وجب أن يثبت له وكونه مصدرا للنظام وتصريف الأعمال على وجه لا اضطراب فيه يعد من كمال الوجود كما ذكرنا فيجب أن يكون ذلك ثابتا له . فالوجود الواجب يستتبع من الصفات الوجودية التي تقتضيها هذه المرتبة ما يمكن أن يكون له . « فما يحب أن يكون له صفة الحياة وهي صفة تستبع العلم والإرادة وذلك أن الحياة مما يعتبر كمالا للوجود بداهة فان الحياة مع ما يتبعها مصدر النظام وناموس الحكمة ، وهي في أي مراتبها مبدأ الظهور والاستقرار في تلك المرتبة . فهي كمال وجودي ويمكن أن يتصف بها الواجب . وكل كمال وجودي يمكن أن يتصف به وجب أن يثبت له فواجب الوجود حي وإن باينت حياته حياة الممكنات فان ما هو كمال للوجود إنما هو مبدأ العلم والإرادة ولو لم تثبت له هذه الصفة لكان في الممكنات ما هو أكمل منه وجودا . وقد تقدم أنه على الوجودات وأكملها فيه . « والواجب هو واهب الوجود وما يتبعه فكيف لو كان فاقدا للحياة يعطيها ؟