الشيخ محمد رشيد رضا
26
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فالحياة له كما أنه مصدرها » اه . أقول : وهذا تحقيق دقيق لا تجد مثله لغير هذا الإمام العارف والحكيم المحقق ولا يعقله إلا أولو الألباب . وقد كنت كتبت في كتاب العقائد الذي ألفته باقتراحه رحمه اللّه تعالى على وجه يليق بمعارف هذا العصر ويفيد طلاب علومه كلاما في حياة اللّه تعالى قريبا من الأفهام ، واطلع عليه فأعجبه . وإنني أحب إيراده هنا لأننى لم أر في كتب التفسير ولا في كتب الكلام كلاما ممتعا في هذا المقام . وهو وارد بأسلوب السؤال من تلميذ مبتدىء في المدارس والجواب من أخيه وهو عالم عصري طبيب نعبر عنه بالشاب ، ومن أبيه وهو عالم صوفي نعبر عنه بالشيخ : وهذا نصه باختصار ما : قال التلميذ : تنبت الشجرة صغيرة ثم تنمو حتى تكون في زمن قريب أضعاف ما كانت ، فمن أين تجىء هذه الزيادة ، وكيف تدخل في بنيتها وتتفرق فتأخذ الساق منها حظا والفروع حظا وكذلك الورق والثمر ؟ الشاب : إن هذه الزيادة التي تدخل بنية النبات بعضها من الأرض وبعضها من الهواء . والنبات جسم حي ، فهو بصفة الحياة يأخذ من عناصر الأرض والهواء ما يصلح لغذائه فيتنذى به كما يتغذى الحيوان بما يأكله ويشربه وينمو بذلك كما ينمو الحيوان . التلميذ : إننا لا نرى في الأرض ولا في الهواء شيئا من مادة النبات ولا من صفاته كاللون والطعم والرائحة . الشاب : إنه يأخذ منها العناصر البسيطة فيأخذ من الهواء الأكسجين والنيتروجين ( الأزوت ) وكذلك الكربون وبعض الأملاح التي توجد في الهواء عادة وإن لم تكن جزءا منه . ويأخذ من الأرض ما يناسبه من عناصرها الكثيرة كالبوتاسا والفسفور والحديد والجير والأملاح ويكون مما يأخذه من ذلك غذاءه بعمل كيماوى منتظم ، يعجز عن مثله أعلم علماء الكيمياء . وقد علمت أن جميع هذه الصور المختلفة الأشكال والصفات إنما اختلف بعضها عن بعض باختلاف التركيب الكيماوى وعمل الطبيعة حتى إن مادة السكر هي عين المادة التي يتكون منها الحنظل ،